تسأل طفلة في الرابعة أمها بصوت مرتفع في عيادة الطبيب عن الطريقة التي دخل بها أخوها الصغير إلى بطنها، فتتجه أنظار الحاضرين نحو الأم. وفي لحظة كهذه يلجأ كثير من الأهل إلى التهرب أو الإسكات أو قصة خيالية سريعة، ثم يعود الطفل بالسؤال نفسه بعد أيام، أو يبحث عن إجابته في مكان آخر. والأسئلة المحرجة جزء طبيعي من فضول الطفل، والطريقة التي يجيب بها الأهل تحدد هل سيبقون مرجعه الأول أم سيبحث عن الإجابات بعيدًا عنهم.
يشرح هذا المقال سبب هذه الأسئلة، ويقدم قواعد عامة تصلح للإجابة عن معظمها، ثم يتناول أكثرها شيوعًا مع أمثلة لإجابات تناسب كل عمر. ومن هذه الأسئلة سؤال من أين يأتي الأطفال، وأسماء أعضاء الجسم وحدود الخصوصية، والموت والفقد، والأسئلة عن الله والدين، والاختلاف بين الناس. ويتناول أيضًا أسئلة الطلاق والخلافات والمال، ويختم بمتى يصح أن يقول الوالد لا أعرف، ومتى يحتاج إلى الاستعانة بمختص أو بمرجع موثوق. والإجابات المقترحة هنا أمثلة يمكن تعديلها بحسب قيم كل أسرة وطبيعة طفلها وثقافة مجتمعها وعمر الطفل.
لماذا يسأل الأطفال أسئلة تحرج الكبار؟
الطفل يسأل لأنه يحاول فهم العالم من حوله، ولا يعرف بعد أن بعض الموضوعات يعتبرها الكبار حساسة أو غير مناسبة للحديث العلني. فسؤاله عن الموت أو الجسم أو الولادة يشبه في ذهنه سؤاله عن سبب زرقة السماء، فهو فضول بريء لا يحمل المعاني التي يراها الكبار. وتكثر هذه الأسئلة بين الثالثة والسادسة، حين تتطور لغة الطفل وقدرته على الملاحظة، فيلاحظ الحمل والمرض والاختلافات بين الناس، ويريد تفسيرًا لها. ولذلك فإن الإحراج شعور الكبار لا الطفل، والتعامل الهادئ معه يجعل الحديث أسهل وأصدق للطرفين.
وحين يقابل الوالد السؤال بالغضب أو السخرية أو الإسكات، يتعلم الطفل أن هذا الموضوع ممنوع، لكن فضوله لا يختفي، وإنما يبحث عن مصدر آخر. وقد يكون هذا المصدر طفلًا آخر لديه معلومات مغلوطة، أو محتوى على الإنترنت لا يناسب عمره، أو شخصًا لا يُؤتمن على الطفل. ولهذا فإن الإجابة الهادئة المناسبة للعمر تحمي الطفل، وتجعل والديه المرجع الأول الذي يعود إليه حين تواجهه أسئلة أصعب في المستقبل. وهذه الثقة تصبح أثمن ما يملكه الأهل حين يدخل الطفل مرحلة المراهقة وأسئلتها الأكثر تعقيدًا.
قواعد عامة تصلح لكل سؤال محرج
القاعدة الأولى أن تحافظ على هدوئك، فنبرة الصوت وتعبيرات الوجه توصل للطفل رسالة أقوى من الكلمات نفسها عن طبيعة الموضوع. والقاعدة الثانية أن تفهم السؤال قبل الإجابة، بأن تسأل الطفل عما يعرفه أو عما جعله يسأل، فكثيرًا ما يكون السؤال أبسط مما يظنه الكبار. فالطفل الذي يسأل من أين جاء قد يريد معرفة المدينة التي ولد فيها، لا تفاصيل الولادة، والإجابة عن سؤال لم يطرحه تربكه بلا داعٍ. والقاعدة الثالثة أن تكون الإجابة قصيرة وصادقة، ثم تنتظر، فإذا أراد الطفل المزيد فسيسأل مرة أخرى.
والقاعدة الرابعة ألا تكذب على الطفل، فالقصص الخيالية تنكشف لاحقًا، وتجعل الطفل يشك في صدق والديه في موضوعات أخرى أكثر أهمية. والصدق لا يعني قول كل شيء، وإنما قول الحقيقة بقدر ما يناسب عمر الطفل وفهمه، مع ترك التفاصيل لمراحل لاحقة. والقاعدة الخامسة أن تؤجل الإجابة إذا كان المكان غير مناسب، كأن تقول إنه سؤال جميل وستتحدثان عنه في البيت، ثم تفي بوعدك فعلًا. فتأجيل الإجابة مقبول تمامًا، لكن نسيانها يعلم الطفل أن أسئلته غير مهمة لوالديه ولا تستحق الاهتمام.
سؤال من أين يأتي الأطفال بحسب كل عمر؟
مع الطفل بين الثالثة والخامسة تكفي غالبًا إجابة بسيطة، كأن الطفل ينمو في مكان خاص داخل بطن أمه اسمه الرحم، حتى يصبح كبيرًا بما يكفي ليولد. وإذا سأل عن طريقة خروجه، يمكن القول إن الطبيب يساعد الأم على الولادة، عبر فتحة خاصة في جسمها أو عملية جراحية، دون تفاصيل إضافية. ومعظم الأطفال في هذه السن يكتفون بهذه الإجابة، وينتقلون إلى سؤال آخر أو لعبة جديدة بعد لحظات. والكتب المصورة المخصصة لهذه السن تساعد الأهل على الشرح بطريقة علمية بسيطة ومهذبة تناسب قيم الأسرة.
ومع الطفل بين السادسة والثامنة، قد يأتي سؤال عن كيفية بدء الحمل، ويمكن الإجابة بأن الأب والأم يساهمان معًا في ذلك. فالأم لديها بويضة صغيرة والأب لديه خلية صغيرة، وحين تلتقيان يبدأ الجنين في التكون داخل الرحم، في إطار الزواج بحسب قيم كثير من الأسر. وقبل البلوغ، في حدود الثامنة إلى العاشرة، توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بالحديث مع الطفل عن تغيرات البلوغ القادمة، حتى لا يفاجأ بها. ويفضل أن يتولى هذا الحديث الوالد الأقرب إلى الطفل، بلغة علمية هادئة، مع الاستعانة بكتب مناسبة للعمر.
أسماء أعضاء الجسم وحدود الخصوصية والأمان
ينصح أطباء الأطفال وخبراء حماية الطفل بتعليم الطفل الأسماء الصحيحة لأعضاء جسمه، بما فيها الأعضاء الخاصة، بلغة هادئة كتعليمه أسماء اليد والعين. فالطفل الذي يعرف الأسماء الصحيحة يستطيع وصف أي ألم أو مشكلة للطبيب أو لوالديه بوضوح، ويشعر بأن جسمه ليس موضوعًا مخجلًا. ويرى المختصون أن هذه المعرفة جزء من حماية الطفل، لأنها تسهل عليه إخبار الكبار الموثوقين إذا تعرض لموقف غير مريح. ويمكن للأسرة اختيار ألفاظ مهذبة تناسب ثقافتها، بشرط أن تكون واضحة ولا تحمل معنى الخجل أو العيب.
ويتعلم الطفل مع الأسماء قاعدة الخصوصية، وهي أن الأعضاء الخاصة لا يلمسها أحد ولا يراها، إلا للنظافة من الوالدين أو للفحص من الطبيب بحضور أحد الوالدين. ويتعلم كذلك أن جسمه ملكه، وأن له الحق في رفض أي لمس يزعجه، حتى من الأقارب، وأن يخبر والديه فورًا بأي موقف أزعجه. ومن القواعد المهمة أن يعرف الطفل الفرق بين المفاجأة السعيدة والسر، وأن الأسرار المتعلقة بجسمه أو التي تجعله قلقًا يجب أن تُحكى لوالديه دائمًا.
والأهم أن يشعر الطفل بأنه لن يُلام أو يُعاقب إذا حكى عن موقف مزعج، مهما كانت تفاصيله، وأن والديه سيصدقانه ويحميانه. ويتكرر هذا الحديث بهدوء في مواقف مختلفة، كوقت الاستحمام أو تغيير الملابس، حتى تصبح القواعد مألوفة للطفل دون أن تخيفه. وإذا لاحظ الأهل تغيرًا مفاجئًا في سلوك الطفل، أو خوفًا غير مبرر من شخص معين، فالحديث الهادئ معه واستشارة مختص خطوة ضرورية. وتوفر جهات حماية الطفل والمدارس في بلدان كثيرة برامج توعية مناسبة للأعمار المختلفة يمكن الاستعانة بها.
أسئلة الموت والفقد وكيف تجيب عنها بصدق
يسأل الطفل عن الموت حين يرى حيوانًا ميتًا، أو يفقد قريبًا، أو يسمع كلمة في حديث الكبار، والإجابة الصادقة البسيطة أفضل من التهرب. فيمكن أن نشرح للطفل الصغير أن الجسم حين يموت يتوقف عن العمل تمامًا، فلا يتنفس ولا يأكل ولا يشعر بالألم، وأن الميت لا يعود. ويفضل المختصون تجنب عبارات مثل إنه نائم أو سافر، لأنها قد تخيف الطفل من النوم، أو تجعله ينتظر عودة الميت. والأطفال الصغار قد يكررون السؤال نفسه مرات، لأنهم يحتاجون وقتًا لاستيعاب فكرة الغياب الدائم ونهائيته.
وفي الأسر المتدينة يمكن إضافة ما تؤمن به الأسرة عن الآخرة والرحمة، بكلمات تبعث الطمأنينة، مع الحفاظ على وضوح أن الميت لن يعود إلى الحياة. وحين يفقد الطفل شخصًا عزيزًا، يحتاج إلى السماح له بالحزن والبكاء والسؤال، وإلى مشاركة الكبار مشاعرهم بصدق، دون أن يُحمل أكثر من طاقته. وقد يظهر حزن الطفل في صور مختلفة، كالتعلق الزائد أو اضطراب النوم أو تغير السلوك، وهي ردود فعل طبيعية في الأسابيع الأولى غالبًا. أما استمرار هذه العلامات بشدة لفترة طويلة، فيستحق استشارة طبيب الأطفال أو مختص في الصحة النفسية للأطفال.
الأسئلة عن الله والدين والغيب
يسأل الأطفال عن الله وأين هو، ولماذا لا نراه، وكيف يسمعنا، وهي أسئلة تعكس تفكيرهم الحسي الذي يربط كل شيء بما يرونه ويلمسونه. والإجابة المناسبة تكون بسيطة وقريبة من عالم الطفل، مع ترك مساحة للأسئلة، دون ضيق أو اتهام الطفل بقلة الأدب أو ضعف الإيمان. فالسؤال علامة على الاهتمام والتفكير، والطفل الذي يجد الترحيب بأسئلته الدينية يبني علاقة إيجابية مع دينه، بعيدًا عن الخوف والارتباك. ويمكن الاستعانة بأمثلة من حياة الطفل، كالهواء الذي لا نراه لكننا نعرف وجوده من أثره.
وحين يسأل الطفل سؤالًا لا يعرف الوالد إجابته الدقيقة، فالأفضل الاعتراف بذلك، والبحث مع الطفل في مصدر موثوق، أو سؤال شخص متخصص في العلم الشرعي. ويفيد التركيز في السنوات الأولى على معاني الحب والرحمة والشكر، بدل الإكثار من التخويف، لأن الطفل الصغير يتأثر بالخوف أكثر مما يفهم معانيه. ومع تقدم العمر تصبح الأسئلة أعمق، وقد تشمل الشكوك والمقارنات بين الأديان، وهنا يحتاج الطفل إلى حوار هادئ يحترم عقله ويجيب بعلم. والطفل الذي يُسكت عند السؤال لا تختفي أسئلته، بل يبحث عن إجاباتها في أماكن قد لا تكون مأمونة.
أسئلة عن الاختلاف بين الناس والإعاقة والمظهر
يلاحظ الأطفال الاختلافات بين الناس بصراحة، فيسألون بصوت عالٍ عن لون بشرة شخص، أو عن كرسي متحرك، أو عن وزن أحد المارة. وهذه الأسئلة لا تحمل غالبًا نية سيئة، لكنها قد تحرج الأهل وتجرح الشخص المعني، ولذلك تحتاج إلى معالجة هادئة سريعة. ويمكن الإجابة بصوت منخفض وبكلمات محايدة، كأن نقول إن الناس يختلفون في أشكالهم وألوانهم، وإن بعضهم يحتاج إلى كرسي ليتنقل، كما نحتاج نحن إلى نظارات. ثم يمكن الحديث لاحقًا في البيت عن أهمية مراعاة مشاعر الآخرين عند السؤال عنهم أو الحديث عن أشكالهم.
والإجابة الهادئة تعلم الطفل أن الاختلاف أمر طبيعي، بينما يعلمه الإسكات العنيف أن الاختلاف شيء مخيف أو مخجل لا يجوز الحديث عنه. ويفيد تعريف الطفل بالتنوع عبر الكتب والقصص التي تضم شخصيات مختلفة في أشكالها وقدراتها وخلفياتها، فيصبح الاختلاف مألوفًا لديه منذ الصغر. ومن المفيد أيضًا تعليمه أن التعليقات على أجسام الآخرين وأشكالهم قد تؤذيهم، حتى لو كانت صادقة، وأن السؤال يمكن أن يُطرح على الوالدين لاحقًا. وسلوك الأهل أنفسهم مع المختلفين عنهم يعلم الطفل أكثر من أي شرح، فالطفل يقلد ما يراه.
أسئلة الطلاق والخلافات والمال داخل البيت
يلتقط الأطفال التوتر في البيت حتى لو لم يسمعوا تفاصيل الخلاف، فيسألون لماذا يتشاجر الوالدان، أو هل سينفصلان، أو هل هم السبب في ذلك. والإجابة الصادقة المناسبة للعمر تطمئن الطفل أكثر من الإنكار، كأن نقول إن الكبار يختلفون أحيانًا، وإنهم يحاولون حل الخلاف، وإن الطفل ليس السبب. وفي حالة الطلاق، يحتاج الطفل إلى معرفة ما سيتغير في حياته اليومية، كمكان سكنه ومواعيد رؤية كل والد، أكثر من حاجته إلى أسباب الانفصال. ويفضل أن يتحدث الوالدان معه معًا إن أمكن، وأن يتجنبا انتقاد أحدهما للآخر أمامه أو تحميله رسائل بينهما.
وأسئلة المال شائعة أيضًا، كسؤال الطفل عن راتب والده، أو لماذا لا يشترون ما يملكه أصدقاؤه، أو هل الأسرة فقيرة أم غنية. ويمكن الإجابة بصدق دون تفاصيل مقلقة، كأن نقول إن كل أسرة تخطط لمصروفها بحسب دخلها، وإن الأسرة تختار ما تشتريه بحسب أولوياتها. وهذه الأسئلة فرصة لتعليم الطفل قيمة المال والادخار والتمييز بين الحاجة والرغبة، بدل أن تتحول إلى مصدر قلق أو شعور بالنقص. ولا يُحمل الطفل هموم الديون والضغوط المالية الكبيرة، فهذه مسؤولية الكبار ولا يقدر عليها الصغار بعد.
متى تقول لا أعرف ومتى تستعين بمختص؟
لا يحتاج الوالد إلى معرفة إجابة كل سؤال، وقول لا أعرف لكن سنبحث معًا يعلم الطفل الصدق وحب المعرفة، ويجعل البحث نشاطًا مشتركًا ممتعًا. ويمكن الاستعانة بكتب الأطفال العلمية الموثوقة، أو بمعلم الطفل، أو بطبيب الأطفال في الأسئلة المتعلقة بالجسم والصحة والنمو. والمهم أن يعود الوالد إلى السؤال فعلًا، لأن الوعد المنسي يرسل للطفل رسالة بأن أسئلته لا تستحق الاهتمام. وتفيد مراجعة الإجابة مع الشريك قبل تقديمها في الموضوعات الحساسة، حتى تكون الرسالة موحدة ومتسقة بين الوالدين.
وتستدعي بعض المواقف الاستعانة بمختص، كأن يُظهر الطفل معرفة أو سلوكًا لا يناسب عمره، أو يكرر أسئلة تدل على قلق شديد لا يهدأ بالإجابة. وكذلك حين يمر الطفل بتجربة صعبة كفقد أحد الوالدين أو طلاق متوتر أو حادث، ويظهر عليه تغير واضح في النوم أو الأكل أو السلوك. والاستعانة بطبيب الأطفال أو المختص النفسي في هذه الحالات ليست دليلًا على فشل الأهل، وإنما خطوة مسؤولة تحمي الطفل وتدعم الأسرة كلها. وهذا المقال للتوعية العامة، ولا يغني عن استشارة المختصين في الحالات التي تحتاج إلى تقييم خاص.
0 تعليقات