يسأل كثيرون عن أفضل الأعمال بعد الفرائض، ثم يبحثون عنها بعيدًا، بينما يوجد في بيوتهم باب من أعظم أبواب الأجر، هو بر الوالدين. فقد قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته في آيات كثيرة، وجعل النبي ﷺ البر بهما من أحب الأعمال إلى الله بعد الصلاة على وقتها. ومع ضغوط الحياة المعاصرة، من السفر والعمل والانشغال، يغفل بعض الأبناء عن صور البر اليومية، أو يقعون في صور من العقوق دون أن ينتبهوا. ومعرفة ما ورد في القرآن والسنة عن البر تعين على تحويله من شعور عام إلى سلوك يومي واضح.
يعرض هذا المقال منزلة بر الوالدين في القرآن والسنة، وصور العقوق في الحياة اليومية، والبر بالقول والفعل والنفقة والرعاية عند الكبر. ثم يتناول حدود طاعة الوالدين كما بينها العلماء، وبر الوالدين المختلفين في الدين أو المقصرين، وكيف يستمر البر بعد وفاتهما. ويختم بصلة الرحم وعلاقتها ببر الوالدين، وبطرق عملية لتطبيق البر في الأسرة المعاصرة، مع الإحالة إلى أهل العلم في المسائل الخاصة. والمقال عرض لما ورد في النصوص وكلام العلماء، وليس فتوى في خلاف أسري بعينه، ويُرجع في المسائل الخاصة إلى جهات الفتوى المعتمدة.
منزلة بر الوالدين في القرآن الكريم
قرن الله تعالى الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته في مواضع عدة، منها قوله: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وهذه الآية الثالثة والعشرون من سورة الإسراء، وفيها بعد ذلك نهي عن قول أف لهما، ونهي عن نهرهما، وأمر بالقول الكريم. ويذكر المفسرون أن النهي عن قول أف، وهي أدنى كلمات التضجر، يدل على تحريم ما هو أشد منها من الإيذاء بالقول أو الفعل. وخص القرآن حال الكبر بالذكر، لأنها الحال التي يكثر فيها احتياج الوالدين وضعفهما وقد يضيق بها الأبناء.
وفي الآية التالية أمر الله تعالى بالتواضع لهما والدعاء لهما، فقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. وفي سورة لقمان قرن الله شكره بشكر الوالدين، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، وذكر قبل ذلك ما تحملته الأم في الحمل والرضاع. وتدل هذه الآيات على أن حق الوالدين من أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى، وأن البر بهما عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه. وتكرر هذا المعنى في سور النساء والأنعام والعنكبوت والأحقاف، مما يدل على عناية القرآن الكبيرة به.
بر الوالدين في السنة النبوية
في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فذكر الصلاة على وقتها. ثم سأله عن الذي يليه، فذكر بر الوالدين، ثم سأله عن الذي يليه، فذكر الجهاد في سبيل الله، فقدم البر على الجهاد في هذا الحديث. وفي الصحيحين أيضًا أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في الجهاد، فسأله هل والداه حيان، فلما قال نعم، أمره بأن يجاهد في خدمتهما. وهذا يدل على أن خدمة الوالدين المحتاجين قد تقدم على عبادات عظيمة أخرى في بعض الأحوال.
وخص النبي ﷺ الأم بمزيد من البر، ففي الصحيحين أن رجلًا سأله عن أحق الناس بحسن صحبته، فقال أمك ثلاث مرات، ثم قال أبوك. وذكر العلماء أن تكرار الأم ثلاثًا يقابل ما تنفرد به من مشقة الحمل والولادة والرضاع، مع مشاركتها الأب في التربية بعد ذلك. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كرر قوله رغم أنف ثلاثًا فيمن أدرك والديه أو أحدهما عند الكبر ثم لم يدخل الجنة، أي لم يبرهما حتى يستحقها.
وفي السنة كذلك بيان لفضل البر وأثره في تفريج الكروب، ومنه قصة أصحاب الغار الثلاثة في الصحيحين، وكان أحدهم بارًا بوالديه. فقد توسل هذا الرجل إلى الله بأنه كان لا يقدم على والديه أحدًا في الطعام، وانتظرهما حتى استيقظا رغم بكاء صبيته من الجوع. ففرج الله عنهم جزءًا من الصخرة التي سدت الغار بسبب هذا العمل الصالح، وهي قصة يذكرها العلماء دليلًا على عظم منزلة البر. ويستفاد منها أن البر من الأعمال التي يُتوسل بها إلى الله في الشدائد، لأنه عمل صالح خالص.
عقوق الوالدين وصوره في الحياة اليومية
العقوق من كبائر الذنوب، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ ذكر أكبر الكبائر، فعد منها الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ثم شهادة الزور. والعقوق كل ما يؤذي الوالدين بغير حق من قول أو فعل، ويختلف تقديره بحسب العرف وحال الوالدين، لكن له صور واضحة يتفق الناس على قبحها. ومن هذه الصور رفع الصوت عليهما، والتأفف من طلباتهما، وتجاهل اتصالاتهما، والسخرية منهما أمام الآخرين، وإهمالهما عند الحاجة أو المرض. وقد تبدو بعض هذه التصرفات بسيطة في نظر الأبناء، لكنها تجرح الوالدين جرحًا عميقًا لا يظهر دائمًا.
ومن صور العقوق المعاصرة الانشغال الدائم بالهاتف أثناء الجلوس مع الوالدين، والسفر الطويل دون تواصل منتظم، وتقديم الأصدقاء على الوالدين في كل شيء. ومنها كذلك الإساءة إلى الوالدين عبر وسائل التواصل، أو نشر الخلافات الأسرية علنًا، أو التسبب في شتمهما بشتم آباء الآخرين. وقد ورد في الصحيحين أن من الكبائر أن يسب الرجل والديه، وفسر النبي ﷺ ذلك بأن يسب أبا الرجل فيسب ذلك الرجل أباه وأمه. والعلاج يبدأ بمراجعة النفس بصدق، والاعتذار للوالدين، والمبادرة إلى الإصلاح مهما طال التقصير أو عظم الخطأ.
البر بالقول: الكلمة والنبرة وطريقة الخطاب
أمر الله تعالى بالقول الكريم للوالدين، ويشمل ذلك اختيار الألفاظ اللطيفة، وخفض الصوت، ومناداتهما بما يحبان، وعدم مقاطعتهما أثناء الحديث. ويشمل كذلك حسن الإنصات لهما حتى لو تكرر حديثهما، وهو أمر يكثر مع التقدم في العمر، ويحتاج إلى صبر ورحمة من الأبناء. ومن البر بالقول الدعاء لهما، والثناء عليهما، وشكرهما على ما قدما، وإظهار الفرح بلقائهما، والسؤال عن أحوالهما وصحتهما باستمرار. والكلمة الطيبة قد تسعد الوالدين أكثر من هدية ثمينة، لأنها تشعرهما بالتقدير والمكانة في قلوب أبنائهما.
وعند الاختلاف في الرأي، يعبر الابن عن رأيه بأدب ولطف، دون جدال حاد أو سخرية، مع إظهار الاحترام حتى لو لم يقتنع برأيهما. وإذا رأى الابن من والديه خطأ، فالنصيحة تكون بالرفق والتلطف، واختيار الوقت المناسب، كما فعل إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم. فقد خاطب إبراهيم أباه بقوله يا أبت مرات متكررة، بأسلوب رحيم هادئ، رغم عظم الأمر الذي كان يدعوه إليه. والتواصل المنتظم بالهاتف أو الرسائل مع الوالدين البعيدين من البر بالقول في زماننا، ويفرحهما أكثر مما يظن الأبناء.
البر بالفعل: الخدمة والنفقة والرعاية عند الكبر
من البر بالفعل خدمة الوالدين وقضاء حوائجهما، ومرافقتهما إلى الطبيب، ومساعدتهما في شؤون البيت، والمبادرة إلى ما يحتاجانه قبل أن يطلباه. ومنه زيارتهما بانتظام لمن يسكن بعيدًا، وإدخال السرور عليهما بالهدايا واللقاءات العائلية، وإشراكهما في مناسبات الأبناء والأحفاد. والرعاية عند الكبر من أعظم صور البر، لأن الوالدين يضعفان ويحتاجان إلى الأبناء كما احتاج الأبناء إليهما في الصغر. وقد تتطلب هذه الرعاية تقسيم المسؤوليات بين الإخوة، وتنظيم الزيارات، والاستعانة بمن يساعد في الرعاية عند الحاجة، مع بقاء الإشراف والمتابعة للأبناء.
أما النفقة على الوالدين المحتاجين فواجبة على الأبناء القادرين باتفاق العلماء، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك. وتشمل النفقة الطعام والشراب والكسوة والسكن والعلاج بحسب الحاجة والعرف وقدرة الابن، ويشترك فيها الإخوة القادرون بحسب أحوالهم. ويستحب للأبناء الإنفاق على الوالدين والإهداء إليهما حتى مع غناهما، إكرامًا لهما، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أنت ومالك لأبيك. وللعلماء في فهم هذا الحديث وحدوده تفصيل، لكنه يدل في مجمله على عظم حق الأب في مال ولده.
وقد يحتاج أحد الوالدين في كبره إلى رعاية صحية خاصة، كمرض الزهايمر أو الأمراض المزمنة، فتتضاعف مسؤولية الأبناء ويحتاجون إلى صبر كبير. وفي هذه الحالات يفيد التعلم عن طبيعة المرض، والتعاون مع الأطباء، وتوزيع المهام بين أفراد الأسرة، حتى لا ينهك شخص واحد بكل الرعاية. ولا يتعارض البر مع الاستعانة بمرافق أو ممرض متخصص عند الحاجة، ما دام الأبناء يتابعون ويزورون ويحرصون على كرامة والديهم وراحتهم. والابن الذي يرعى والده المريض يحتاج بدوره إلى دعم ورعاية لنفسه، حتى يستطيع الاستمرار دون أن ينهار أو يقصر.
حدود الطاعة: متى تجب ومتى لا تجب؟
طاعة الوالدين في المعروف من البر، أما الطاعة في المعصية فلا تجوز، لقول النبي ﷺ في الصحيحين إنما الطاعة في المعروف. وقد صرح القرآن بذلك في سورة لقمان، فقال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. ثم قال في الآية نفسها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فجمع بين رفض الطاعة في المعصية والاستمرار في الإحسان والمعاملة الحسنة. وهذا ميزان دقيق، فرفض المعصية لا يبرر الإساءة، والإحسان لا يعني الموافقة على ما يغضب الله.
أما في الأمور المباحة، فذكر كثير من العلماء أن طاعة الوالدين فيها واجبة إذا كان في أمرهما مصلحة، ولم يكن على الابن ضرر في تنفيذه. واختلفوا في مسائل تمس حياة الابن الخاصة، كاختيار الزوجة أو التخصص الدراسي أو العمل أو مكان السكن، ولهم فيها تفصيل بحسب الضرر والمصلحة. والأصل في هذه المسائل الحوار والتفاهم، ومحاولة إرضاء الوالدين بالحكمة، مع الرجوع إلى أهل العلم عند التعارض الحقيقي بين رغبة الوالدين ومصلحة الابن. فكثير من الخلافات يمكن حلها بالصبر والتلطف وإشراك الوالدين في التفكير، قبل أن تتحول إلى صدام.
بر الوالدين المختلفين في الدين أو المقصرين
لا يسقط البر باختلاف الدين، ففي الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما سألت النبي ﷺ عن صلة أمها التي قدمت عليها وهي مشركة. فأمرها النبي ﷺ بأن تصل أمها، وهذا يدل على أن الإحسان إلى الوالدين حق ثابت لهما مهما كان دينهما. والبر في هذه الحالة يشمل حسن المعاملة والنفقة عند الحاجة والزيارة والهدية، مع عدم متابعتهما فيما يخالف دين الابن ومعتقده. ويبقى الدعاء لهما بالهداية من أعظم صور البر، مع الحكمة في الدعوة وعدم الإساءة إليهما.
وقد يكون الوالد مقصرًا في حق أبنائه، أو قاسيًا في تربيتهم، أو منشغلًا عنهم، فيسأل الأبناء هل يسقط عنهم البر بسبب ذلك. والذي عليه العلماء أن تقصير الوالدين لا يسقط حقهما في البر والإحسان، لأن الأمر بالبر جاء عامًا، ولم يُقيد بإحسان الوالدين إلى أبنائهم. لكن ذلك لا يعني قبول الإيذاء الشديد أو الخطر، فللابن أن يحمي نفسه وأسرته من الضرر، مع الحفاظ على الحد الممكن من الإحسان والصلة. وفي حالات الإيذاء الجسيم أو الخلافات المعقدة، يحتاج الأبناء إلى استشارة أهل العلم والمختصين في الإرشاد الأسري معًا.
كيف يستمر البر بعد وفاة الوالدين؟
لا ينقطع البر بموت الوالدين، ففي صحيح مسلم أن عمل الإنسان ينقطع بموته إلا من ثلاث، منها ولد صالح يدعو له. ولذلك فإن الدعاء والاستغفار للوالدين بعد موتهما من أعظم ما يقدمه الابن لهما، وهو عمل يسير يستطيعه كل أحد في أي وقت. ومن البر بعد الموت الصدقة عنهما، ففي الصحيحين أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الصدقة عن أمه التي ماتت فجأة، فأخبره أن لها أجرًا. ويجوز كذلك الحج والعمرة عنهما بشروطهما المعروفة، كما ورد في أحاديث صحيحة عن الحج عن الوالدين.
ومن البر بعد الموت قضاء ديونهما، وتنفيذ وصيتهما المشروعة، والوفاء بما وعدا به الناس، فهذه حقوق متعلقة بذمتهما تحتاج إلى من يؤديها. ومنه صلة أصدقائهما وإكرامهم، ففي صحيح مسلم أن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يتوفى. ومنه كذلك صلة الأقارب الذين لا تكون صلتهم إلا بالوالدين، كالأعمام والعمات والأخوال والخالات، والحفاظ على روابط العائلة التي كانا يرعيانها. والابن الصالح في أخلاقه وسلوكه يبقى ذكرًا حسنًا لوالديه، يدعو له الناس ولهما بالخير كلما رأوه.
بر الوالدين وصلة الرحم في حياة الأسرة المعاصرة
بر الوالدين هو أساس صلة الرحم، فالأقارب يتصلون بالإنسان من جهة والديه، وصلتهم امتداد لبرهما وحفظ للروابط التي بنياها. وقد جاء في الصحيحين أن من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه، وهذا وعد يشمل بركة الرزق والعمر. وفي الأسرة المعاصرة، قد تتباعد المسافات بين الأقارب، لكن وسائل التواصل تتيح صورًا جديدة من الصلة، كالاتصال والمكالمات المرئية ومجموعات العائلة. وهذه الوسائل لا تغني تمامًا عن الزيارة واللقاء حين يتيسر، لكنها تحفظ الود وتقلل الانقطاع بين أفراد العائلة.
ويتعلم الأبناء البر من رؤية آبائهم وهم يبرون الأجداد، ولذلك فإن اصطحاب الأطفال في زيارة الأجداد وخدمتهم درس عملي يبقى في ذاكرتهم. ويفيد تخصيص يوم أسبوعي أو شهري للقاء العائلي، ومشاركة الإخوة في رعاية الوالدين، وتجنب الخلافات على الميراث والمال التي تقطع الأرحام. وكل خطوة صغيرة في البر، ولو كانت اتصالًا قصيرًا أو كلمة طيبة، لها عند الله أجر عظيم وأثر باقٍ في الأسرة. وهذا المقال عرض لما ورد في القرآن والسنة وكلام العلماء عن بر الوالدين وصلة الرحم، ويُرجع في المسائل الأسرية الخاصة إلى أهل العلم المعتمدين.
0 تعليقات