يحتفظ كثيرون بمدخرات في البنك أو ذهب في البيت أو بضاعة في المحل، ثم يأتي رمضان فيخرجون مبلغًا تقديريًا بنية الزكاة دون حساب واضح. وقد يكون المبلغ أقل من الواجب فيبقى جزء من الزكاة في ذمتهم، أو أكثر منه فيحسبون الصدقة زكاة دون أن يعرفوا الفرق. وحساب الزكاة ليس معقدًا كما يبدو، لكنه يحتاج إلى معرفة ما تجب فيه، ومتى تجب، وكيف يُقدر النصاب، وأين تختلف أقوال الفقهاء. ومعرفة هذه الأساسيات تجعل إخراج الزكاة عبادة مطمئنة، بدل أن يبقى المسلم مترددًا في صحة ما أداه كل عام.
يعرض هذا المقال مكانة الزكاة، وشروط وجوبها، وطريقة تقدير النصاب اليوم، ومعنى الحول وكيف يُحسب، والأموال التي تجب فيها الزكاة ومقدار الواجب. ثم يتناول مسائل اختلف فيها الفقهاء كذهب الزينة والديون، ويقدم خطوات عملية للحساب بمثال مبسط، ويشرح مصارف الزكاة الثمانية ومن لا يجوز إعطاؤه. والمقال عرض لأقوال الفقهاء المعتبرة وليس فتوى في حالة بعينها، ويُرجع في الحالات المعقدة كالشركات والأسهم إلى دار الإفتاء أو الجهة الرسمية المعتمدة. ويركز المقال على زكاة المال من النقود والذهب والفضة وعروض التجارة، دون زكاة الزروع والأنعام التي لها أحكام خاصة.
ما مكانة الزكاة ولماذا سُميت بهذا الاسم؟
الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد قرنها الله بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن الإسلام بُني على خمس، ومنها إيتاء الزكاة بعد الشهادتين وإقام الصلاة. والزكاة في اللغة النماء والطهارة، وسُميت بذلك لأنها تطهر نفس المزكي من الشح، وتطهر ماله، ويُرجى أن يبارك الله فيه وينميه. وقد أجمع المسلمون على فرضيتها، وعدّ العلماء إنكار وجوبها مع العلم به خروجًا عن أمر معلوم من الدين بالضرورة.
والزكاة حق معلوم في مال الغني، لا تفضل منه على الفقير، كما وصف الله تعالى في سورة المعارج أموال المؤمنين بأن فيها حقًا معلومًا للسائل والمحروم. ولها آثار اجتماعية واضحة، فهي تقلل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتسد حاجات المحتاجين، وتنشر التكافل والمودة بين أفراد المجتمع. ولذلك اهتم الفقهاء بتفصيل أحكامها بدقة، حتى يعرف المسلم ما يجب عليه بالضبط، فلا يبخس الفقراء حقهم، ولا يتحمل هو ما لم يوجبه الشرع. وهذا التفصيل هو ما تعرضه الأقسام التالية من المقال بصورة مبسطة ومرتبة تناسب القارئ غير المتخصص.
شروط وجوب الزكاة في المال
اشترط الفقهاء لوجوب الزكاة في المال شروطًا، أولها أن يكون صاحبه مسلمًا حرًا، وثانيها أن يكون المال مملوكًا له ملكًا تامًا يتصرف فيه كما يشاء. فالمال المرهون أو المحجوز أو الذي لا يستطيع صاحبه الوصول إليه، في وجوب زكاته تفصيل وخلاف بين الفقهاء بحسب حاله. والشرط الثالث أن يبلغ المال النصاب، وهو الحد الأدنى الذي تجب عنده الزكاة، فمن لم يملك نصابًا فلا زكاة عليه في ذلك المال. والشرط الرابع أن يحول على المال الحول، أي أن تمضي عليه سنة قمرية كاملة وهو في ملك صاحبه.
ويشترط كثير من الفقهاء أن يكون المال فائضًا عن الحاجات الأصلية لصاحبه، كالمسكن الذي يسكنه، والسيارة التي يستخدمها، والأثاث والملابس وأدوات العمل. فهذه الأشياء لا زكاة فيها مهما بلغت قيمتها، ما دامت للاستعمال الشخصي لا للتجارة، وهذا محل اتفاق في الجملة بين العلماء. أما إذا اشترى الشخص عقارًا أو سيارة بنية بيعها والربح منها، فإنها تصبح من عروض التجارة، وتجب فيها الزكاة بشروطها كما يأتي. واختلف الفقهاء في اشتراط البلوغ والعقل، فأوجب الجمهور الزكاة في مال الصبي والمجنون يخرجها وليهما، وخالفهم الحنفية في غير الزروع.
ما نصاب الزكاة وكيف يُقدر اليوم؟
حدد النبي ﷺ نصاب الذهب بعشرين مثقالًا، ونصاب الفضة بمئتي درهم، وجاءت بذلك أحاديث عمل بها جمهور العلماء. ويقدر كثير من المعاصرين نصاب الذهب بنحو خمسة وثمانين جرامًا، ونصاب الفضة بنحو خمسمئة وخمسة وتسعين جرامًا، مع اختلاف يسير في التقدير. وتختلف جهات الفتوى في عيار الذهب المعتمد في حساب النصاب، ولذلك يفيد الرجوع إلى الجهة الرسمية في البلد لمعرفة الرقم الذي تعتمده. وتنشر مؤسسات الزكاة وجهات الفتوى في بلدان كثيرة قيمة النصاب بالعملة المحلية بصورة دورية، لأنها تتغير مع تغير أسعار الذهب.
أما النقود الورقية والأرصدة البنكية فتُقاس بأحد النصابين، واختلف المعاصرون في أيهما يُعتمد، فذهب كثير منهم إلى اعتماد نصاب الذهب. وعللوا ذلك بأن الذهب أكثر ثباتًا في قيمته، وأن نصاب الفضة صار منخفضًا جدًا، فيوجب الزكاة على من لا يُعد غنيًا في عرف الناس اليوم. وذهب آخرون إلى اعتماد نصاب الفضة، لأنه الأحظ للفقراء، والأحوط في إبراء الذمة، وهو قول بعض المجامع وجهات الفتوى. ويُرجع في اختيار النصاب المعتمد إلى جهة الفتوى الرسمية، ومن يملك مالًا يبلغ نصاب الذهب فالزكاة واجبة عليه بلا خلاف بين القولين.
الحول: متى تبدأ السنة الزكوية ومتى تنتهي؟
الحول سنة قمرية كاملة تبدأ من اليوم الذي بلغ فيه المال النصاب، وتنتهي بعد مرور اثني عشر شهرًا هجريًا على ذلك اليوم. فإذا بقي المال فوق النصاب طوال السنة، ثم جاء يوم نهاية الحول، وجبت الزكاة فيما يملكه الشخص في ذلك اليوم. واختلف الفقهاء فيما إذا نقص المال عن النصاب أثناء السنة، فذهب الجمهور إلى انقطاع الحول، وذهب الحنفية إلى أن العبرة بطرفي الحول دون وسطه. والسنة القمرية أقصر من الميلادية بنحو أحد عشر يومًا، وهو فرق يتراكم مع السنين إذا اعتمد الشخص التاريخ الميلادي.
ولهذا يذكر بعض المعاصرين أن من يحسب زكاته بالسنة الميلادية، يرفع النسبة قليلًا فوق ربع العشر تعويضًا عن فرق الأيام. أما الأموال التي تُضاف أثناء السنة، كالرواتب والأرباح الشهرية، فمذهب الجمهور أن لكل مبلغ مستفاد حوله الخاص إذا لم يكن ربحًا لمال موجود. وهذا يجعل الحساب الدقيق صعبًا على من تتغير أمواله كل شهر، ولذلك يلجأ كثيرون إلى طريقة عملية معروفة يذكرها الفقهاء المعاصرون. وهي أن يحدد الشخص يومًا ثابتًا كل عام، ويزكي كل ما يملكه في ذلك اليوم، فيكون ما لم يحل حوله زكاة معجلة جائزة عند الجمهور.
الأموال التي تجب فيها الزكاة ومقدار الواجب
تجب الزكاة في الذهب والفضة، وفي النقود بأنواعها، سواء كانت نقدًا في البيت، أو رصيدًا في حساب جارٍ، أو وديعة، أو شهادات ادخار. ومقدار الواجب فيها ربع العشر، أي اثنان ونصف بالمئة من إجمالي المال الذي بلغ النصاب وحال عليه الحول، وهذا محل اتفاق بين العلماء. وتجب الزكاة كذلك في عروض التجارة، وهي كل ما يُشترى بنية البيع والربح، كبضائع المحلات، والعقارات والسيارات المعدة للبيع، والمواد الخام في المصانع. وتُقوَّم عروض التجارة بسعر السوق يوم وجوب الزكاة، ويُخرج عنها ربع العشر كالنقود تمامًا عند جمهور الفقهاء.
أما الأصول الثابتة التي لا تُعد للبيع، كمباني المصنع وآلاته وأثاث المحل وسيارات النقل المستخدمة في العمل، فلا زكاة فيها عند جمهور العلماء. والعقار المؤجر لا زكاة في أصله عند أكثر العلماء، وإنما تجب الزكاة في الإيجار المقبوض إذا بلغ نصابًا بنفسه أو مع غيره وحال عليه الحول. وفي الأسهم والصناديق الاستثمارية تفصيل، يتوقف على نية المساهم في المتاجرة أو الاستثمار الطويل، وعلى طبيعة الشركة وأصولها، ويُرجع فيه إلى جهات الفتوى.
ذهب الزينة والديون: مسائل اختلف فيها الفقهاء
اختلف الفقهاء في زكاة الحلي الذهبي الذي تلبسه المرأة للزينة، فذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا زكاة فيه إذا كان في حدود المعتاد. وذهب الحنفية إلى وجوب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب، واستدلوا بأحاديث في ذلك، واستدل الجمهور بآثار عن بعض الصحابة في عدم زكاته. واتفقوا في الجملة على أن الحلي المعد للادخار أو التجارة أو الذي يتجاوز المعتاد كثيرًا تجب فيه الزكاة، على تفصيل عندهم. ويحسن بالمرأة التي عندها حلي كثير أن تسأل جهة الفتوى في بلدها عن القول الذي تعتمده.
أما الديون التي للشخص عند غيره، فإذا كانت على مدين مليء مقر بالدين، فالجمهور على وجوب زكاتها، واختلفوا هل تُزكى كل عام أم عند قبضها. وإذا كانت على مدين معسر أو جاحد يصعب تحصيلها، فللفقهاء فيها أقوال، منها أنها لا تُزكى حتى تُقبض، ثم تُزكى لسنة واحدة عند بعضهم. وأما الديون التي على الشخص لغيره، ففي خصمها من المال الزكوي خلاف، فذهب بعض الفقهاء إلى خصمها، وذهب آخرون إلى عدم خصمها، ولهم في ذلك تفصيل.
وفصل كثير من المعاصرين في الديون التي على الشخص، فرأوا خصم الأقساط الحالة المستحقة خلال السنة، دون الأقساط المؤجلة لسنوات طويلة كأقساط التمويل العقاري. وعللوا ذلك بأن خصم الدين الطويل كله قد يسقط الزكاة عن أشخاص يملكون أموالًا كثيرة، رغم أنهم لا يُعدون فقراء في عرف الناس. وهذه المسائل من مواضع الاجتهاد التي تختلف فيها الفتاوى، ولذلك يحسن الرجوع إلى جهة الفتوى المعتمدة عند وجود ديون كبيرة أو معقدة. والمهم أن يلتزم الشخص قولًا واحدًا معتبرًا في حسابه، ولا يتنقل بين الأقوال بحثًا عن الأخف في كل مسألة.
خطوات عملية لحساب زكاة المال بمثال مبسط
الخطوة الأولى أن تحدد يوم الزكاة، ثم تجمع في ذلك اليوم كل ما تملكه من نقود في البيت والحسابات البنكية والودائع والمحافظ الإلكترونية. والخطوة الثانية أن تضيف قيمة الذهب والفضة المدخرين بسعر السوق يومها، وقيمة عروض التجارة بسعر البيع، والديون المرجو تحصيلها بحسب القول الذي تعتمده. والخطوة الثالثة أن تخصم الديون الحالة عليك إن كنت تأخذ بقول الخصم، ثم تقارن الصافي بقيمة النصاب في ذلك اليوم. فإذا بلغ الصافي النصاب أو زاد عليه، فاضربه في اثنين ونصف بالمئة، أي اقسمه على أربعين، فيكون الناتج مقدار الزكاة الواجبة.
ومثال ذلك شخص يملك في يوم زكاته مئة وخمسين ألفًا في البنك، وعشرين ألفًا نقدًا في البيت، وبضاعة في محله قيمتها ثلاثون ألفًا، من عملة بلده. فمجموع أمواله الزكوية مئتا ألف، فإذا كان عليه دين حال قدره عشرون ألفًا وأخذ بقول الخصم، صار الصافي مئة وثمانين ألفًا. وإذا كان هذا الصافي أكبر من قيمة النصاب في ذلك اليوم، فزكاته أربعة آلاف وخمسمئة، أي ربع العشر من مئة وثمانين ألفًا. والمبالغ هنا للتوضيح فقط، وقيمة النصاب الفعلية تُعرف من سعر الذهب يوم الحساب في بلدك.
مصارف الزكاة الثمانية ومن لا يجوز إعطاؤه
حدد الله تعالى مصارف الزكاة في الآية الستين من سورة التوبة، وهي ثمانية: الفقراء والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب. وتكملتها الغارمون الذين عليهم ديون عجزوا عن سدادها، وفي سبيل الله، وابن السبيل وهو المسافر المنقطع الذي نفدت نفقته وإن كان غنيًا في بلده. والفقير والمسكين أكثر المصارف حاجة في الغالب، والفرق بينهما في درجة الحاجة، وكلاهما لا يجد كفايته وكفاية من يعولهم. واختلف الفقهاء في تفسير مصرف في سبيل الله، فقصره الجمهور في الأصل على الغزاة، ووسعه بعض المعاصرين ليشمل وجوه الخير العامة.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى من تجب على المزكي نفقتهم، كالأب والأم وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، وكذلك الزوجة، وهذا محل اتفاق في الجملة. واختلفوا في دفع الزوجة زكاتها لزوجها الفقير، فأجازه بعض الفقهاء استدلالًا بحديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما، ومنعه آخرون. أما الإخوة والأخوات والأعمام والأخوال وسائر الأقارب الفقراء الذين لا تجب نفقتهم على المزكي، فدفع الزكاة إليهم جائز، وفيه أجر الصدقة والصلة. ولا تُدفع الزكاة للغني القادر، ولا للقوي المكتسب القادر على العمل عند كثير من الفقهاء، لأنها حق المحتاجين.
توقيت إخراج الزكاة وأخطاء شائعة في أدائها
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزكاة إذا وجبت يلزم إخراجها فورًا دون تأخير، إلا لعذر كغياب المال أو انتظار مستحق أشد حاجة لمدة يسيرة. ويجوز عند الجمهور تعجيل الزكاة قبل موعدها لسنة أو أكثر على تفصيل، وهو ما يفعله كثيرون حين يخرجون زكاتهم في رمضان. وقد استدلوا على جواز التعجيل بحديث أن النبي ﷺ أذن للعباس رضي الله عنه في تعجيل صدقته قبل أن تحل. أما تأخيرها بعد وجوبها إلى رمضان التالي بلا عذر، فلا يجيزه الجمهور، لأن فيه تأخيرًا لحق الفقراء.
ومن الأخطاء الشائعة إخراج مبلغ تقديري دون حساب، أو نسيان بعض الأموال كالذهب المدخر والحسابات القديمة والمحافظ الإلكترونية. ومنها احتساب الضرائب أو الهدايا أو المساعدات العائلية الواجبة من الزكاة، والزكاة عبادة مستقلة لها مصارفها ونيتها الخاصة. ومنها دفع الزكاة لمن لا يستحقها دون تحرٍّ، والأفضل التحري قدر الإمكان، أو دفعها إلى مؤسسات الزكاة الرسمية الموثوقة التي تتولى إيصالها لمستحقيها. والزكاة التي فاتت لسنوات لا تسقط بالتأخير عند الفقهاء، وإنما تُحسب وتُقضى عن كل سنة مضت.
وهذا المقال عرض ميسر لأحكام زكاة المال بحسب أقوال الفقهاء المعتبرة، ولا يغني عن سؤال أهل العلم في الحالات الخاصة. فالشركات والأسهم والعقارات المتنوعة والديون المعقدة تحتاج إلى نظر متخصص، ويُرجع فيها إلى دار الإفتاء أو مؤسسة الزكاة الرسمية في البلد. كما تقدم هذه الجهات في بلدان كثيرة حاسبات إلكترونية وخدمات استشارية تساعد المسلم على حساب زكاته بدقة وأدائها في مصارفها الصحيحة. والاستعانة بها في السنة الأولى خاصة تجعل الحساب في السنوات التالية أسهل وأكثر دقة واطمئنانًا.
0 تعليقات