تضع قطع الدجاج في المقلاة منتظرًا سطحًا ذهبيًا مقرمشًا، فتسمع صوت غليان بدل الأزيز، وتخرج القطع باهتة اللون مغموسة في سائلها. وفي مرة أخرى تقلي البطاطس، فتخرج داكنة من الخارج نيئة من الداخل، أو مشبعة بالزيت وطرية كأنها سُلقت فيه. وهذه النتائج لا تعني أن القلي صعب، وإنما أن هناك أخطاء قليلة متكررة تفسد التحمير، ويمكن تجنبها كلها بفهم ما يحدث في المقلاة. فالتحمير الجيد عملية كيميائية لها شروط واضحة، ومتى توفرت الشروط جاءت النتيجة ثابتة في كل مرة.
يشرح هذا المقال سبب تحول التحمير إلى سلق، ثم يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا واحدًا بعد الآخر، من الطعام المبلل إلى ازدحام المقلاة وتحريك اللحم مبكرًا. ويوضح كيف تضبط حرارة زيت القلي العميق دون ميزان، وكيف تختار الزيت المناسب، ومتى يجب التخلص منه بدل إعادة استخدامه مرة بعد أخرى. ويختم بتفاصيل التصفية والتمليح التي تحفظ القرمشة، وبقواعد السلامة الأساسية، ومنها الطريقة الصحيحة للتعامل مع حريق الزيت في المطبخ دون تعريض نفسك للخطر.
لماذا يتحول التحمير إلى سلق في المقلاة؟
اللون الذهبي والنكهة المحمصة يأتيان من تفاعل كيميائي بين البروتينات والسكريات يسمى تفاعل ميار، ويحتاج إلى حرارة سطح مرتفعة تتجاوز نحو مئة وأربعين درجة. أما الماء فلا تتجاوز حرارته مئة درجة عند الغليان، ولذلك فإن وجود الماء على سطح الطعام يبقيه عند حرارة لا تسمح بالتحمير. فيتبخر الماء أولًا، وخلال هذا الوقت يطهو الطعام بالبخار ويفقد عصارته، ولا يبدأ التحمير إلا بعد أن يجف السطح تمامًا. ولهذا يبقى الطعام المبلل باهتًا مهما طال وقته في المقلاة، حتى يتبخر آخر ما عليه من ماء.
ولهذا فإن معظم أخطاء التحمير تعود إلى سبب واحد، هو وجود ماء أكثر مما تستطيع المقلاة تبخيره بسرعة، سواء جاء من سطح الطعام أو من ازدحامه أو من برودة المقلاة. وحين تفهم هذه القاعدة، تفهم لماذا يجفف الطهاة اللحم قبل طهيه، ولماذا يطهونه على دفعات صغيرة، ولماذا ينتظرون حتى تسخن المقلاة جيدًا. وبقية المقال تطبيقات عملية لهذه الفكرة البسيطة، مع أخطاء إضافية تتعلق بالزيت نفسه والتعامل مع الطعام بعد القلي مباشرة.
الخطأ الأول: وضع الطعام مبللًا في الزيت
اللحم والدجاج والسمك تخرج من الثلاجة أو من التتبيلة مبللة غالبًا، ووضعها بهذه الحالة في المقلاة يعني أن الدقائق الأولى ستذهب في تبخير الماء. والحل بسيط، وهو تجفيف السطح جيدًا بمناديل ورقية قبل الطهي، والضغط برفق على القطع حتى لا يبقى عليها لمعان مائي واضح. وفي التتبيلات السائلة، تُرفع القطع من التتبيلة وتُترك لتصفى قليلًا ثم تُجفف، مع الاحتفاظ بالنكهة التي تشربتها القطع خلال التتبيل. ويمكن ترك اللحم المملح مكشوفًا في الثلاجة بضع ساعات، فيجف سطحه ويتحمر بصورة أفضل بكثير.
وفي القلي العميق، يسبب الماء مشكلة إضافية، فهو يتحول إلى بخار بسرعة كبيرة داخل الزيت الساخن، فيتطاير الزيت ويخفض حرارة المقلاة فجأة. ولذلك تُجفف البطاطس المقطعة جيدًا بعد نقعها أو غسلها، وتُزال طبقات الثلج عن الأطعمة المجمدة قبل وضعها في الزيت. وتساعد طبقة خفيفة من الدقيق أو النشا على امتصاص الرطوبة المتبقية، وتمنح السطح قرمشة إضافية، بشرط نفض الزائد منها قبل القلي. أما الأطعمة المجمدة المخصصة للقلي مباشرة، فتتبع تعليمات عبوتها، وتوضع بكميات صغيرة حتى لا تنخفض حرارة الزيت كثيرًا.
الخطأ الثاني: ازدحام المقلاة بكمية كبيرة
حين تملأ المقلاة بالقطع حتى تتلامس، تنخفض حرارتها بسرعة، ويخرج من القطع ماء لا يجد مساحة كافية ليتبخر، فيتجمع في القاع ويبدأ السلق. والنتيجة قطع رمادية اللون مطهوة في سوائلها، مهما كانت المقلاة جيدة أو الشعلة قوية، ومهما انتظرت أن يظهر اللون الذهبي. والقاعدة أن تترك مسافة بين القطع، وأن تغطي القطع نحو ثلثي سطح المقلاة فقط، ثم تطهو الباقي في دفعة ثانية. والدفعتان المنفصلتان تستغرقان وقتًا أقصر فعليًا من دفعة مزدحمة تحتاج إلى وقت طويل حتى يتبخر ماؤها.
وينطبق الأمر نفسه على الخضار، فالبصل والفطر والكوسة تحتوي على ماء كثير، وتكديسها في المقلاة يجعلها طرية باهتة بدل أن تتحمر. وفي الفرن أيضًا، تكديس الخضار أو البطاطس في صينية صغيرة يحول الشوي إلى طهي بالبخار، والأفضل توزيعها على صينيتين في طبقة واحدة. وفي القلي العميق، يؤدي وضع كمية كبيرة دفعة واحدة إلى هبوط حرارة الزيت، فيتشرب الطعام الزيت ويخرج دهنيًا وطريًا. ولذلك يقلي الطهاة المحترفون على دفعات صغيرة، وينتظرون عودة الزيت إلى حرارته قبل كل دفعة جديدة.
الخطأ الثالث: مقلاة أو زيت لم يسخن بعد
وضع الطعام في مقلاة باردة أو فاترة يجعله يلتصق بالقاع ويطلق عصارته قبل أن يتكون سطح محمر، فيبدأ الطهي بالسلق مرة أخرى. والأفضل تسخين المقلاة وحدها بضع دقائق على نار متوسطة إلى عالية، ثم إضافة الزيت وانتظار أن يلمع ويتموج قليلًا على السطح. وعندها يُوضع الطعام فيُسمع أزيز واضح فور ملامسته المقلاة، وهذا الصوت علامة جيدة على أن الحرارة مناسبة للتحمير. أما إذا بدأ الزيت يدخن بشدة، فالمقلاة أسخن مما ينبغي، ويجب رفعها عن النار قليلًا.
ويختلف ذلك مع المقالي غير اللاصقة، فالشركات تنصح عادة بعدم تسخينها فارغة على نار عالية، لأن الطبقة غير اللاصقة قد تتضرر بالحرارة الشديدة. ولذلك تُسخن هذه المقالي مع الزيت على نار متوسطة، وتُستخدم للبيض والأسماك الرقيقة أكثر من التحمير القوي للحوم. أما التحمير العميق للحوم فيناسبه الحديد الزهر أو الستانلس ستيل، لأنهما يتحملان الحرارة العالية ويحتفظان بها عند وضع الطعام البارد. والمقلاة الثقيلة عمومًا أفضل من الخفيفة، لأن حرارتها لا تهبط بسرعة عند إضافة الطعام إليها.
الخطأ الرابع: تحريك اللحم قبل أن يتماسك سطحه
كثيرون يقلبون قطع اللحم أو الدجاج كل دقيقة خوفًا من احتراقها، فيقطعون عملية التحمير قبل اكتمالها، ولا يتكون السطح الذهبي المطلوب أبدًا. واللحم يلتصق بالمقلاة في البداية، ثم ينفصل وحده حين يتكون السطح المحمر، ولذلك فإن محاولة قلبه وهو ملتصق تمزق سطحه وتترك جزءًا منه في القاع. والقاعدة أن تترك القطعة دون تحريك حتى تنفصل بسهولة عند دفعها برفق بالملقط، ثم تقلبها مرة واحدة غالبًا. وهذا الانتظار يحتاج إلى بعض الصبر، لكنه الفرق بين قطعة باهتة وأخرى ذهبية غنية بالنكهة.
وبعد التحمير تترك المقلاة بقايا بنية ملتصقة بقاعها، وهي ليست احتراقًا وإنما نكهة مركزة يستخدمها الطهاة لصنع الصلصات. فيُضاف إلى المقلاة الساخنة قليل من المرق أو الماء أو عصير الليمون، مع كشط القاع بملعقة خشبية، فتذوب البقايا وتتحول إلى صلصة غنية. أما البقايا السوداء ذات الرائحة المرة فهي احتراق فعلي، ولا تصلح لذلك، وتعني أن الحرارة كانت أعلى من اللازم. وفي هذه الحالة يُنقل الطعام إلى مقلاة نظيفة، وتُخفض الحرارة قليلًا قبل متابعة الطهي أو التحمير.
كيف تضبط حرارة زيت القلي العميق دون ميزان؟
تتراوح حرارة القلي العميق المناسبة لمعظم الأطعمة بين مئة وستين ومئة وتسعين درجة تقريبًا، ويختلف الرقم بحسب الصنف وحجم القطع. فالقطع الكبيرة كالدجاج بالعظم تحتاج إلى حرارة أقل نسبيًا ووقت أطول لتنضج من الداخل، بينما تحتاج القطع الصغيرة والمعجنات الرقيقة إلى حرارة أعلى ووقت أقصر. والزيت الأبرد من اللازم يجعل الطعام يتشرب الدهون، والأسخن من اللازم يحرق السطح قبل أن ينضج الداخل. وميزان حرارة القلي أداة رخيصة تحسم هذه المسألة، لكن هناك طرقًا تقريبية تفيد من لا يملكه.
من هذه الطرق إدخال طرف ملعقة خشبية جافة في الزيت، فإذا ظهرت حولها فقاعات صغيرة ثابتة فالزيت جاهز غالبًا للقلي المتوسط. وإذا ظهرت الفقاعات بعنف شديد مع دخان، فالزيت أسخن من اللازم، وإذا لم تظهر فقاعات تقريبًا فهو ما زال باردًا. وطريقة أخرى هي وضع مكعب صغير من الخبز، فإذا تحمر خلال دقيقة تقريبًا فالحرارة مناسبة لمعظم الأطعمة الشائعة. والبطاطس المقلية تحتاج أحيانًا إلى قلي مرتين، الأولى بحرارة أقل لتنضج، والثانية بحرارة أعلى لتصبح مقرمشة.
وتنصح وكالة معايير الغذاء البريطانية بقلي البطاطس والمعجنات النشوية في المنزل حتى تصبح ذهبية فاتحة لا بنية داكنة، لتقليل مادة الأكريلاميد التي تتكون في الحرارة العالية. وهذه المادة تتكون بكميات أكبر كلما طال القلي وزاد اسمرار اللون، ولذلك فإن اللون الذهبي هو الهدف في الطعم والسلامة معًا. ويساعد نقع البطاطس المقطعة في الماء ثم تجفيفها جيدًا على تقليل النشا السطحي، وعلى تحمير أكثر انتظامًا وقرمشة أوضح بعد القلي مباشرة وحتى التقديم.
اختيار الزيت المناسب وإعادة استخدامه بأمان
لكل زيت نقطة تدخين يبدأ عندها في التحلل وإطلاق الدخان، والزيوت المكررة كزيت عباد الشمس والذرة والكانولا تتحمل حرارة القلي العميق جيدًا. وزيت الزيتون البكر الممتاز يصلح للتشويح والقلي الخفيف، لكن كثيرين يفضلون ادخاره للسلطات بسبب سعره ونكهته المميزة. أما الزبدة فتحترق بسرعة بسبب مواد الحليب الموجودة فيها، ولذلك تُضاف مع قليل من الزيت، أو يُستخدم السمن المصفى بدلًا منها. والسمن البلدي المصفى يتحمل حرارة أعلى من الزبدة، لأن مواد الحليب أزيلت منه أثناء التصفية.
ويمكن إعادة استخدام زيت القلي العميق مرات محدودة إذا صُفي بعد تبريده من بقايا الطعام، وحُفظ في وعاء مغلق بعيدًا عن الضوء والحرارة. لكن الزيت يتدهور مع كل استخدام، ويجب التخلص منه إذا أصبح داكن اللون أو كثيف القوام أو كثير الرغوة أو ذا رائحة غير مقبولة. كما يجب التخلص منه إذا بدأ يدخن عند حرارة أقل من المعتاد، لأن ذلك علامة على تحلله. والزيت المستخدم في قلي السمك يحتفظ برائحته، فالأفضل تخصيصه للسمك وحده أو التخلص منه بعد القلي.
ولا يُسكب الزيت المستعمل في الحوض، لأنه يتجمد في المواسير ويسدها مع الوقت، ويلوث المياه بعد وصوله إلى شبكات الصرف. والأفضل تركه يبرد ثم جمعه في زجاجة أو علبة مغلقة، والتخلص منه مع النفايات أو تسليمه لجهات جمع الزيوت المستعملة إن وجدت. وتقليل كمية الزيت المستخدمة من البداية يسهل المسألة كلها، فالقلي في قدر صغير عميق يحتاج إلى زيت أقل من المقلاة الواسعة. كما يمكن استخدام القلي الهوائي أو الفرن لبعض الأصناف، مع نتيجة مقبولة وكمية زيت أقل بكثير.
التصفية والتمليح بعد القلي: تفاصيل تحفظ القرمشة
وضع الطعام المقلي فوق طبقات من المناديل الورقية مباشرة يمتص الزيت، لكنه يحبس البخار تحت القطع، فيلين الجانب السفلي خلال دقائق. والأفضل وضعه على شبكة معدنية فوق صينية، فيتسرب الزيت ويخرج البخار من كل الجهات، وتبقى القطع مقرمشة وقتًا أطول. وإذا لم تتوفر شبكة، فيمكن وضعه على المناديل لثوانٍ ثم نقله إلى طبق واسع دون تكديس القطع فوق بعضها. وتغطية الطعام المقلي الساخن بغطاء محكم تحبس البخار أيضًا، وتحول القرمشة إلى طراوة خلال دقائق قليلة.
ويُملح الطعام المقلي فور خروجه من الزيت وهو ما زال لامعًا، لأن الملح يلتصق بالسطح الساخن ويتوزع جيدًا عليه. أما تمليح البطاطس النيئة قبل القلي مباشرة فيسحب منها الماء، فيزيد التطاير ويقلل القرمشة، ولذلك يُؤجل الملح إلى ما بعد القلي. وفي اللحوم، يمكن التمليح قبل الطهي بوقت كافٍ ليمتص اللحم الملح، أو قبله مباشرة، مع تجنب الفترة القصيرة بينهما التي تخرج فيها العصارة إلى السطح. وإذا أردت إبقاء الدفعات الأولى ساخنة، فضعها في فرن منخفض الحرارة على شبكة حتى تنتهي من القلي.
قواعد السلامة عند القلي وإطفاء حريق الزيت
لا تملأ القدر بالزيت أكثر من ثلثه تقريبًا في القلي العميق، لأن الزيت يرتفع ويفور عند إضافة الطعام، وقد يفيض على الموقد المشتعل. ولا تترك الزيت الساخن على النار دون مراقبة ولو لدقائق، وأبعد الأطفال عن الموقد، ووجه مقابض القدور إلى الداخل حتى لا تُسحب بالخطأ. واستخدم ملقطًا أو مصفاة ذات مقبض طويل لإدخال الطعام وإخراجه، وضع القطع في الزيت بعيدًا عنك لا باتجاهك. وأبقِ غطاء القدر وقفازًا مقاومًا للحرارة في متناول يدك طوال وقت القلي تحسبًا لأي طارئ.
وإذا اشتعل الزيت، فلا تسكب عليه الماء أبدًا، لأن الماء يتحول إلى بخار فورًا ويقذف الزيت المشتعل في كل اتجاه، فتنتشر النار بسرعة كبيرة. والصحيح أن تطفئ مصدر الحرارة إن أمكن بأمان، ثم تغطي القدر بغطائه المعدني أو بصينية، وتتركه مغطى حتى يبرد تمامًا. ولا تحاول حمل القدر المشتعل أو نقله إلى الحوض أو خارج المطبخ، لأن ذلك يعرضك للحروق ويوسع دائرة الحريق. وإذا خرجت النار عن السيطرة، فاخرج من المكان فورًا واتصل بالدفاع المدني، ولا تحاول إطفاءها بنفسك.
0 تعليقات