تعلن الأسرة قاعدة جديدة صارمة، ساعة واحدة للشاشة يوميًا، وتصمد القاعدة ثلاثة أيام، ثم تعود الأجهزة تدريجيًا حتى يختفي الحد تمامًا مع نهاية الأسبوع. ويتكرر المشهد كل بضعة أشهر، مع شعور متزايد بالذنب لدى الأهل، وصراع يومي مع الطفل عند كل محاولة لإغلاق الجهاز. والمشكلة غالبًا في طريقة وضع الحد وتطبيقه أكثر من الرقم نفسه، فالحدود التي تُفرض فجأة دون خطة تنهار أمام أول ضغط. أما الحدود التي تُبنى مع الطفل وتدعمها بيئة البيت وعادات الأهل اليومية، فتصمد أطول بكثير في الغالب.
يعرض هذا المقال ما تقوله الجهات الطبية عن وقت الشاشة بحسب العمر، ثم يشرح لماذا لا يكفي عدد الساعات وحده للحكم على استخدام الطفل. ويتناول أسباب فشل الحدود المفاجئة، وطريقة بناء خطة أسرية يشارك فيها الطفل، وأماكن البيت وأوقاته الخالية من الشاشات تمامًا. ويختم بطرق إنهاء وقت الشاشة دون معارك، وبأدوات الرقابة الأبوية، والحالة الخاصة للألعاب الإلكترونية، ودور الأهل بوصفهم قدوة في استخدامهم اليومي للأجهزة. والهدف علاقة صحية ومتوازنة مع التقنية، لا حرمان الطفل منها أو تركه لها بلا حدود.
ماذا تقول التوصيات الطبية عن وقت الشاشة بحسب العمر؟
توصي منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها لعام 2019 بعدم تعريض الأطفال دون السنة الواحدة للشاشات، وبعدم جلوس ابن السنة أمامها بصورة خاملة. وللأطفال من سنتين إلى أربع سنوات، توصي المنظمة بألا يتجاوز وقت الشاشة الخامل ساعة واحدة يوميًا، مع التأكيد أن الأقل أفضل. وتركز المنظمة على أن هذه السنوات تحتاج إلى الحركة واللعب والنوم الكافي والتفاعل مع الكبار، وأن الشاشة تزاحم هذه الاحتياجات الأساسية. والمكالمات المرئية مع الأقارب حالة مختلفة، لأنها تفاعل حي لا مشاهدة سلبية، ولذلك تستثنيها جهات طبية عدة.
أما الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال فتنصح بتجنب الشاشات قبل ثمانية عشر شهرًا عدا المكالمات المرئية، وبمحتوى عالي الجودة يشاهده الطفل مع والديه بين ثمانية عشر وأربعة وعشرين شهرًا. وللأطفال من سنتين إلى خمس سنوات، تنصح بساعة يوميًا من المحتوى الجيد، ويفضل أن يشاهده الأهل مع الطفل ويتحدثوا معه عنه. وبعد السادسة، لا تحدد الأكاديمية رقمًا ثابتًا، وإنما تنصح بحدود متسقة تضمن النوم الكافي والنشاط البدني والوقت العائلي والدراسة دون أن تزاحمها الشاشة.
وبالنسبة للأطفال في سن المدرسة والمراهقين، تشير الجهات الصحية إلى أهمية ضمان النوم الكافي والنشاط البدني اليومي قبل تحديد وقت الترفيه على الشاشات بدقة. وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يمارس الأطفال والمراهقون من خمس إلى سبع عشرة سنة نشاطًا بدنيًا متوسطًا إلى شديد بمعدل ستين دقيقة يوميًا في المتوسط. وحين يُحسب هذا الوقت ووقت النوم والدراسة والطعام، يتضح ما يتبقى من اليوم لوقت الشاشة الترفيهي دون أن يزاحم الأساسيات اليومية.
لماذا لا يكفي عدد الساعات وحده؟
ساعة من برنامج تعليمي يشاهده الطفل مع والده ويتحدثان عنه تختلف كثيرًا عن ساعة من مقاطع قصيرة متلاحقة يشاهدها وحده قبل النوم. ولذلك تنظر الجهات الطبية إلى نوع المحتوى وطريقة المشاهدة وتوقيتها، إلى جانب المدة، عند تقييم أثر الشاشة على الطفل. فالمحتوى المناسب لعمر الطفل، والمشاهدة المشتركة، والتوقيت البعيد عن النوم والطعام، كلها عوامل تجعل الوقت نفسه أقل ضررًا وأكثر فائدة. والمقاطع القصيرة السريعة بالذات تحتاج إلى انتباه خاص، لأنها مصممة لإبقاء المشاهد أطول وقت ممكن.
والسؤال الأهم هو ما الذي تزيحه الشاشة من يوم الطفل، فإذا زاحمت النوم أو اللعب الحركي أو الواجبات أو الحديث العائلي، فهي مشكلة حتى لو قصرت مدتها. ومن العلامات التي تستحق الانتباه أن يصبح الطفل عصبيًا جدًا عند إيقاف الجهاز، أو يفقد اهتمامه بأنشطة كان يحبها، أو يتأخر نومه بسبب الشاشة. وفي المقابل، الطفل الذي ينام جيدًا ويتحرك ويتفاعل مع أسرته ويؤدي واجباته يكون استخدامه للشاشة في الغالب ضمن الحدود الصحية.
لماذا تفشل الحدود التي يضعها الأهل فجأة؟
الحد المفاجئ يأتي غالبًا بعد موقف مزعج، فيُعلن في لحظة غضب دون تحضير، ويشعر الطفل بأنه عقاب لا قاعدة، فيقاومه بكل طاقته. كما أن الحد الذي لا يرافقه بديل يترك فراغًا كبيرًا في يوم الطفل، فيملؤه بالملل والتذمر والإلحاح حتى يستسلم الأهل. وحين يطبق أحد الوالدين القاعدة ويتساهل الآخر، أو تُطبق في أيام وتُنسى في أخرى، يتعلم الطفل أن الإلحاح قد ينجح. ولذلك تتحول القاعدة سريعًا إلى مفاوضة يومية تستنزف الجميع، ثم تنتهي بالتخلي عنها تمامًا بعد أيام.
ويزيد الأمر صعوبة أن الأجهزة نفسها مصممة لجذب الانتباه، فالتشغيل التلقائي للحلقة التالية، والتمرير اللانهائي، والمكافآت في الألعاب، كلها تجعل التوقف صعبًا حتى على الكبار. ولذلك لا يصح تحميل الطفل وحده مسؤولية التوقف، فالبيئة المحيطة به يجب أن تساعده، بإيقاف التشغيل التلقائي وتحديد أوقات واضحة. والحدود التي تنجح هي التي تُبنى تدريجيًا، ويفهم الطفل أسبابها، وتطبق بثبات، وترافقها بدائل ممتعة حقيقية. وهذا بالضبط ما تساعد عليه الخطة الأسرية المشتركة، التي يشرح القسم التالي طريقة إعدادها خطوة بخطوة.
خطة الأسرة الإعلامية: قواعد يشارك الطفل في وضعها
توفر الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أداة تسمى خطة الأسرة الإعلامية، تساعد الأسرة على كتابة قواعد استخدام الشاشات بما يناسب أعمار أطفالها وظروفها. والفكرة الأساسية أن تجلس الأسرة معًا، وتناقش متى تُستخدم الأجهزة وأين، وما المحتوى المسموح، وما الأنشطة التي لا يجب أن تتأثر بها. ومشاركة الطفل في وضع القواعد، بحسب عمره، تجعله أكثر التزامًا بها، لأنه يشعر بأنها قواعده هو لا أوامر مفروضة عليه. والخطة المكتوبة المعلقة في مكان ظاهر تقلل الجدال، لأن الجميع يرجعون إليها بدل النقاش كل يوم.
وتتضمن الخطة الجيدة أوقات الاستخدام في أيام الدراسة وأيام العطلة، والشروط التي تسبق الشاشة كإنهاء الواجبات والمهام المنزلية، والمحتوى والتطبيقات المسموحة بحسب العمر. وتتضمن كذلك العواقب الواضحة لمخالفة القواعد، كتقليل وقت اليوم التالي، على أن تكون متناسبة ومعروفة مسبقًا لا مرتجلة في لحظة غضب. ومن المفيد مراجعة الخطة كل بضعة أشهر، لأن احتياجات الطفل تتغير مع العمر والمدرسة والأصدقاء، وما يناسب ابن السادسة لا يناسب ابن الثانية عشرة بطبيعة الحال.
أماكن وأوقات خالية من الشاشات في البيت
من أنجح القواعد وأسهلها تطبيقًا تحديد أماكن لا تدخلها الأجهزة، كمائدة الطعام وغرف النوم، لأن القاعدة المرتبطة بمكان أسهل تذكرًا من القاعدة المرتبطة بالوقت. فمائدة بلا شاشات تمنح الأسرة وقتًا يوميًا للحديث، وتساعد الطفل على الانتباه لطعامه وإحساسه بالشبع بدل الأكل وهو مشغول بالمشاهدة. وغرفة النوم بلا أجهزة تحمي نوم الطفل، لأن الشاشة في السرير تؤخر النوم بضوئها ومحتواها وإغراء الاستمرار في المشاهدة. ويفيد وضع مكان ثابت لشحن جميع أجهزة الأسرة ليلًا خارج غرف النوم، بما فيها أجهزة الكبار.
وتفيد أيضًا أوقات خالية من الشاشات، كالساعة الأخيرة قبل النوم، ووقت الإفطار قبل المدرسة، والطريق في السيارة للمسافات القصيرة. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بإيقاف الشاشات قبل النوم بوقت كافٍ، لأن الضوء والمحتوى المثير يؤخران النعاس ويقللان جودة النوم. واستبدال الشاشة قبل النوم بقصة أو حديث هادئ أو لعبة بسيطة يصنع روتينًا مريحًا يساعد الطفل على الاسترخاء. ويمكن تخصيص يوم في الأسبوع أو فترة في العطلة لنشاط عائلي خالٍ من الشاشات تمامًا، كنزهة أو زيارة أو لعبة جماعية.
كيف تنهي وقت الشاشة دون صراخ ومعارك؟
الإيقاف المفاجئ في منتصف حلقة أو مرحلة لعبة يثير غضب الطفل، لأنه يشعر بأن شيئًا انتُزع منه قبل اكتماله. والأفضل التنبيه قبل النهاية بعشر دقائق ثم بخمس، ويفيد مع الأطفال الصغار استخدام مؤقت مرئي يعرفون منه الوقت المتبقي. ومن الأفضل أيضًا أن ينتهي الوقت عند نقطة توقف طبيعية، كنهاية حلقة أو مرحلة، بدل الالتزام الحرفي بالدقيقة المحددة. ولذلك يفيد اختيار المحتوى مسبقًا بعدد الحلقات لا بالدقائق، كأن يتفق الطفل على حلقتين محددتين قبل البدء.
وتساعد قاعدة أولًا ثم على جعل الانتقال أسهل، فيعرف الطفل أن نشاطًا محددًا ينتظره بعد الشاشة، كوجبة يحبها أو لعبة مع أحد والديه. وإذا غضب الطفل عند الإيقاف، فتعامل مع غضبه بهدوء، وسمِّ شعوره، وحافظ على القرار، كما تتعامل مع أي نوبة غضب أخرى. ويمكن منح الطفل الأكبر مسؤولية إيقاف الجهاز بنفسه عند انتهاء الوقت، مع مكافأة التزامه، فيتعلم تنظيم وقته تدريجيًا بدل انتظار تدخل الكبار. ولمزيد من التفاصيل عن التعامل مع الغضب، راجع مقال نوبة غضب الطفل المنشور على هذه المدونة.
أدوات الرقابة الأبوية: ما تفعله وما لا تفعله
توفر أنظمة الهواتف والأجهزة أدوات رقابة أبوية مدمجة، كتطبيق Family Link من جوجل وميزة مدة استخدام الجهاز في أجهزة آبل، إلى جانب إعدادات المنصات والألعاب. وتسمح هذه الأدوات بتحديد وقت يومي لكل تطبيق، وحظر المحتوى غير المناسب للعمر، ومنع الشراء دون إذن، وتحديد أوقات يتوقف فيها الجهاز تلقائيًا. ومن المفيد تفعيل الوضع المخصص للأطفال في تطبيقات الفيديو، وضبط إعدادات البحث الآمن في المتصفح والمنصات التي يستخدمها الطفل. والتوقف التلقائي للجهاز يخفف العبء عن الأهل، لأن الجهاز هو الذي ينهي الوقت لا الوالد.
لكن هذه الأدوات لا تغني عن الحوار والمتابعة، فالأطفال الأكبر قد يجدون طرقًا للالتفاف عليها، والمحتوى الضار قد يتسلل رغم الفلاتر. ولذلك يفيد أن تعرف التطبيقات التي يستخدمها طفلك، وأن تجلس معه أحيانًا وهو يلعب أو يشاهد، وأن تسأله عما يعجبه وما يزعجه. والأهم أن يعرف الطفل أنه يستطيع إخبارك إذا رأى شيئًا مخيفًا أو تلقى رسالة غريبة، دون أن يخشى أن تأخذ منه الجهاز فورًا. فالطفل الذي يخاف العقاب يخفي المشكلة، بينما يلجأ الطفل المطمئن إلى أهله في الوقت المناسب.
الألعاب الإلكترونية وحالتها الخاصة في الحدود اليومية
الألعاب الإلكترونية تختلف عن المشاهدة في أنها تفاعلية، وبعضها ينمي التفكير والتخطيط والتعاون، لكن كثيرًا منها مصمم بمكافآت متتالية تجعل التوقف صعبًا. وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب الإلكترونية في تصنيفها الدولي للأمراض، ويتميز بفقدان السيطرة على اللعب وتقديمه على الأنشطة الأخرى رغم الأضرار. وهذا الاضطراب يصيب نسبة صغيرة من اللاعبين، لكنه يذكر الأهل بأهمية ملاحظة العلامات مبكرًا بدل انتظار تفاقمها. ومن هذه العلامات إهمال الدراسة والنوم والأصدقاء، والغضب الشديد عند منع اللعب، والكذب بشأن مدته.
وتحمل الألعاب تصنيفات عمرية واضحة، كتصنيف PEGI في أوروبا وESRB في أمريكا الشمالية، وتفيد مراجعتها قبل شراء اللعبة أو تحميلها. وتستحق الألعاب التي تتضمن محادثات مع غرباء انتباهًا خاصًا، فالأفضل إيقاف المحادثة أو قصرها على الأصدقاء المعروفين للأطفال الصغار. كما تحتوي ألعاب كثيرة على مشتريات داخلية وصناديق مكافآت عشوائية، ويفيد إيقاف الشراء أو ربطه بموافقة الوالدين لتجنب المفاجآت في الفواتير. ويمكن منح وقت أطول قليلًا للألعاب في العطلات، مع الحفاظ على مواعيد النوم والطعام والحركة كما هي.
أما الألعاب الجماعية مع الأصدقاء فلها جانب اجتماعي مهم لكثير من الأطفال الأكبر سنًا، ومنعها بالكامل قد يعزلهم عن أقرانهم. والأفضل الاتفاق على أوقات محددة لها، ومعرفة الأصدقاء الذين يلعب معهم الطفل، كما تعرف أصدقاءه في المدرسة والنادي. ومشاركة الوالد في اللعب أحيانًا، أو سؤال الطفل عن اللعبة وقواعدها، يفتح بابًا للحوار ويجعل الأهل جزءًا من عالم طفلهم لا مجرد رقيب عليه. وهذا القرب يسهل عليك ملاحظة أي تغير في سلوكه أو في طبيعة الأشخاص الذين يتواصل معهم.
الأهل قدوة: شاشتك أنت جزء من المعادلة
يتعلم الأطفال من سلوك والديهم أكثر مما يتعلمون من كلامهم، فالوالد الذي يطلب من طفله ترك الهاتف وهو ممسك بهاتفه يرسل رسالة متناقضة. وتشير دراسات إلى أن انشغال الأهل بالهواتف أثناء الوقت العائلي يرتبط بزيادة محاولات الطفل لجذب الانتباه، وأحيانًا بسلوكيات مزعجة ونوبات غضب. ولذلك فإن تطبيق القواعد نفسها على الكبار، كترك الهواتف بعيدًا عن المائدة وغرف النوم، يجعلها أكثر إقناعًا للأطفال. ولا يعني ذلك أن يتوقف الأهل عن استخدام الأجهزة، وإنما أن يستخدموها بوعي واضح أمام أطفالهم.
ويفيد أن يشرح الوالد لطفله سبب استخدامه للهاتف حين يضطر إليه، كأن يقول إنه يرد على رسالة من العمل ثم يعود للعب معه. ويمكن للأسرة أن تجعل الالتزام مشتركًا، فيراقب الأطفال التزام الكبار بالقواعد، وهو ما يمنحهم إحساسًا بالعدل ويقوي تعاونهم. والخلاصة أن الحدود الناجحة لوقت الشاشة مشروع أسري طويل، يقوم على قواعد واضحة وبدائل ممتعة وقدوة حاضرة، لا على قرار مفاجئ في لحظة غضب. وكل خطوة صغيرة ثابتة في هذا الاتجاه أفضل من خطة كبيرة مثالية تنهار بعد أسبوع واحد.
0 تعليقات