الصلاة في السفر: أحكام القصر والجمع

 

يخرج كثير من المسافرين في رحلة عمل أو زيارة عائلية، ثم يترددون عند دخول وقت الظهر: هل يصلون ركعتين أم أربعًا، وهل يجوز لهم جمع العصر معها؟ وتتعدد الإجابات التي يسمعونها من الأقارب والأصدقاء، فبعضهم يحدد مسافة معينة، وبعضهم يربط الأمر بعدد الأيام، وبعضهم يرى القصر واجبًا لا خيارًا. والسبب أن هذه المسائل من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، ولكل مذهب أدلته وتقديراته، وهو اختلاف معتبر في دائرة الاجتهاد. ومعرفة هذه الأقوال بصورة مرتبة تساعد المسافر على فهم المسألة، وعلى معرفة ما يسأل عنه جهة الفتوى في بلده.

يعرض هذا المقال أدلة مشروعية القصر والجمع في السفر، والصلوات التي تُقصر، وأقوال المذاهب في حكم القصر، ومسافته، ومتى يبدأ وينتهي. ثم يتناول مدة الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر، وصور الجمع وشروطه، وصلاة المسافر خلف المقيم، وحكم الجمعة والسنن الرواتب في السفر. والمقال عرض لأقوال الفقهاء كما نقلتها كتب المذاهب وجهات الفتوى المعتبرة، وليس فتوى في حالة بعينها، ويُرجع في الحالات الخاصة إلى دار الإفتاء أو الجهة الرسمية المعتمدة. ويحرص المقال على بيان مواضع الاتفاق والخلاف، دون ترجيح قول على آخر في المسائل الاجتهادية.

ما الدليل على مشروعية القصر والجمع في السفر؟

الأصل في مشروعية القصر قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وهي الآية الحادية بعد المئة من سورة النساء. وقد جاء في تمام الآية ذكر الخوف، لكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أن القصر مشروع في السفر مع الأمن أيضًا، استنادًا إلى السنة الثابتة. ففي صحيح مسلم أن يعلى بن أمية سأل عمر بن الخطاب عن القصر مع الأمن، فأخبره عمر أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك. فأجابه النبي ﷺ بأن القصر صدقة تصدق الله بها على المسلمين، وأمرهم بأن يقبلوا هذه الصدقة.

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقصر الصلاة الرباعية في أسفاره، في الحج والعمرة والغزوات، وهو ما نقله الصحابة في أحاديث كثيرة. أما الجمع فدليله أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. وأجمع العلماء على مشروعية الجمع بعرفة ومزدلفة في الحج، واختلفوا في الجمع في غيرهما من الأسفار، كما يأتي في موضعه من المقال.

ما الصلوات التي تُقصر وكيف يكون القصر؟

القصر يكون في الصلوات الرباعية فقط، وهي الظهر والعصر والعشاء، فتُصلى كل منها ركعتين بدل أربع، وهذا محل اتفاق بين العلماء. أما صلاة الفجر فلا تُقصر لأنها ركعتان في الأصل، وصلاة المغرب لا تُقصر لأنها وتر النهار، فتبقى ثلاث ركعات في السفر والحضر. ويصلي المسافر الصلاة المقصورة بالطريقة المعتادة، فيقرأ الفاتحة وما تيسر في الركعتين، ثم يتشهد ويسلم بعد الركعة الثانية. وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن الصلاة فُرضت أول الأمر ركعتين، فأُقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.

والقصر خاص بعدد الركعات لا بالوقت، فالمسافر يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة، ما لم يختر الجمع في الحالات التي أجازها الفقهاء. ولا يشترط أن يكون السفر شاقًا حتى يُشرع القصر عند جمهور العلماء، فالمسافر بالطائرة أو السيارة المريحة يقصر كما يقصر المسافر على قدميه. وعللوا ذلك بأن الرخصة معلقة بوصف السفر نفسه، لا بمقدار المشقة التي يجدها كل مسافر، وهي تختلف من شخص لآخر ومن وسيلة لأخرى. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن القصر لا يُشرع في السفر المحرم، وخالفهم الحنفية فأجازوه في كل سفر، على تفصيل عندهم.

هل القصر واجب على المسافر أم رخصة له؟

ذهب الحنفية إلى أن القصر واجب على المسافر، وأن فرضه في السفر ركعتان، فإذا صلى أربعًا وجلس للتشهد بعد الثانية صحت صلاته مع الكراهة. واستدلوا بحديث عائشة في أن صلاة السفر أُقرت ركعتين، وبمداومة النبي ﷺ على القصر في أسفاره. وذهب المالكية إلى أن القصر سنة مؤكدة، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه رخصة، وأن القصر أفضل من الإتمام عندهم في الجملة. ويترتب على هذا الخلاف حكم من أتم الصلاة في السفر، فصلاته صحيحة عند الجمهور، مع أن الأفضل عندهم القصر.

واستدل الجمهور بأن الآية نفت الجناح عن القاصرين، ورفع الجناح يدل في الأصل على الإباحة والرخصة لا على الوجوب. كما استدلوا بحديث يعلى بن أمية الذي وصف فيه النبي ﷺ القصر بأنه صدقة، وحملوا الأمر بقبولها على الاستحباب والتأكيد. والخلاصة أن القصر مشروع للمسافر باتفاق المذاهب، وإنما الخلاف في كونه واجبًا أو سنة أو رخصة، وفيما يترتب على ذلك من أحكام. ولذلك يحرص كثير من المسافرين على القصر عند توفر شروطه، مراعاة لقول من أوجبه، وهو مسلك ذكره بعض أهل العلم.

مسافة القصر عند الفقهاء وتقديرها المعاصر

ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن مسافة القصر أربعة بُرُد، وهي ستة عشر فرسخًا، أي ثمانية وأربعون ميلًا بالميل الهاشمي. واستدلوا بآثار عن الصحابة، منها ما ذكره البخاري تعليقًا أن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم كانا يقصران ويفطران في أربعة بُرُد. ويقدر كثير من العلماء المعاصرين هذه المسافة بنحو ثمانين كيلومترًا أو تزيد قليلًا، مع اختلاف يسير في التقدير بحسب طريقة تحويل المقاييس القديمة. والمعتبر عند كثير منهم طول الطريق الذي يسلكه المسافر فعلًا، لا المسافة المستقيمة على الخريطة.

وذهب الحنفية إلى تقدير مسافة القصر بمسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد في زمانهم، ولهم في تحويلها إلى المقاييس المعاصرة تقديرات متقاربة. وذهب بعض العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن الشرع لم يحدد مسافة معينة، وأن المرجع في معرفة السفر هو العرف. فما عده الناس سفرًا في عرفهم، مع التأهب له وحمل الزاد، ثبتت له أحكام السفر عندهم، طال أو قصر. والمسافر الذي يحتاط يمكنه سؤال جهة الفتوى المعتمدة في بلده عن التقدير الذي تعتمده، لأن الفتوى الرسمية تختار قولًا تسير عليه.

متى يبدأ المسافر القصر ومتى ينتهي؟

ذهب جمهور العلماء إلى أن المسافر لا يبدأ القصر إلا بعد مفارقة عمران بلده، أي بعد خروجه من آخر المباني المتصلة بمدينته أو قريته. فلا يقصر وهو في بيته قبل السفر، ولو كان قد جهز حقائبه ونوى السفر، لأن الآية علقت القصر بالضرب في الأرض، أي الخروج فعلًا. وإذا دخل وقت الصلاة وهو في بلده ثم خرج قبل أن يصليها، ففي قصرها خلاف بين الفقهاء، والجمهور على جواز القصر اعتبارًا بوقت الأداء. وفي المطار يُنظر هل هو داخل عمران المدينة أم خارجه، ولأهل العلم في ذلك تفصيل.

وينتهي حكم السفر بالعودة إلى البلد، فإذا دخل المسافر عمران بلده أتم الصلاة، ولو كان لم يصل إلى بيته بعد. وكذلك ينتهي حكم السفر إذا نوى الإقامة في البلد الذي سافر إليه مدة تقطع حكم السفر عند الفقهاء، على الخلاف المذكور في القسم التالي. أما مجرد النزول في مدينة أثناء الطريق للراحة أو التزود بالوقود، فلا يقطع حكم السفر، ويبقى المسافر مترخصًا بالقصر. ومن سافر إلى بلد له فيه بيت أو أسرة، فللفقهاء في حكمه تفصيل، ويحسن أن يسأل عن حالته تحديدًا.

مدة الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر

ذهب المالكية والشافعية إلى أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام كاملة، غير يومي الدخول والخروج، انقطع حكم سفره، فيتم الصلاة من أول إقامته. وذهب الحنابلة إلى قريب من ذلك، فجعلوا الحد نية إقامة أكثر من أربعة أيام، وقدروها بما يزيد على عشرين صلاة. وذهب الحنفية إلى أن المسافر يبقى على حكم السفر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا فأكثر في بلد واحد. واستدل كل فريق بآثار وأحاديث في مدد إقامة النبي ﷺ وأصحابه في أسفارهم، ولهم في فهمها أنظار مختلفة.

أما من لم ينو إقامة محددة، وكان ينتظر قضاء حاجة لا يدري متى تنتهي، ويقول كل يوم أسافر غدًا، فله القصر عند جمهور العلماء. واختلفوا في المدة التي يقصر فيها هذا المسافر، فحددها الشافعية في المعتمد عندهم بثمانية عشر يومًا، وأطلقها آخرون ما دام الانتظار قائمًا. واستدلوا بإقامة النبي ﷺ بمكة عام الفتح مدة يقصر فيها الصلاة، وبآثار عن الصحابة في إقامات طويلة مع الانتظار. وحالات الدراسة والعمل الطويل في بلد آخر لها تفصيل عند الفقهاء، ويُرجع فيها إلى جهة الفتوى المعتمدة.

الجمع بين الصلاتين: التقديم والتأخير وشروطهما

الجمع أن يصلي المسافر الظهر والعصر معًا في وقت إحداهما، أو المغرب والعشاء معًا في وقت إحداهما، ولا يُجمع الفجر مع غيره، ولا العصر مع المغرب. فإن صلاهما في وقت الأولى سُمي جمع تقديم، وإن صلاهما في وقت الثانية سُمي جمع تأخير، وكلاهما جائز عند القائلين بالجمع. وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الجمع في السفر، مع اختلاف بينهم في بعض شروطه وأحواله. وذهب الحنفية إلى أن الجمع الحقيقي لا يجوز إلا بعرفة ومزدلفة، وأجازوا ما يسمونه الجمع الصوري.

والجمع الصوري عند الحنفية أن يصلي الظهر في آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، فتبدو الصلاتان مجموعتين وكل منهما في وقتها. واشترط كثير من الفقهاء لجمع التقديم أن يبدأ بالأولى، وأن ينوي الجمع، وأن يوالي بين الصلاتين دون فاصل طويل، على تفصيل بين المذاهب. واشترطوا لجمع التأخير أن ينوي تأخير الأولى إلى وقت الثانية قبل خروج وقتها، حتى لا يكون مؤخرًا لها بلا عذر. ويجوز عند القائلين بالجمع أن يقصر المسافر الصلاتين المجموعتين إذا كانتا رباعيتين، فيصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين.

والجمع عند كثير من الفقهاء رخصة مرتبطة بالحاجة، ولذلك يرى بعضهم أن المسافر النازل المستقر الذي لا يشق عليه أداء كل صلاة في وقتها، الأفضل له ترك الجمع. بينما يرى آخرون جواز الجمع للمسافر مطلقًا ما دام في سفره، سائرًا كان أو نازلًا، على خلاف بينهم في التفاصيل. والفرق بين القصر والجمع أن القصر مرتبط بالسفر نفسه، أما الجمع فيرتبط عند كثير من العلماء بالحاجة والمشقة، ولذلك قد يقصر المسافر دون أن يجمع في كل الأحوال.

صلاة المسافر خلف المقيم والجمعة في السفر

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المسافر إذا صلى خلف إمام مقيم لزمه الإتمام تبعًا لإمامه، على تفصيل عندهم في القدر الذي يدركه من الصلاة. واستدلوا بأن الاقتداء يقتضي متابعة الإمام، وبما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن ذلك فبين أنها سنة النبي ﷺ. أما إذا صلى المقيم خلف إمام مسافر يقصر، فإن المقيم يقوم بعد تسليم الإمام فيتم صلاته أربعًا، ويستحب للإمام أن ينبه المأمومين قبل الصلاة. وهذا التنبيه يمنع ارتباك المصلين المقيمين، ويجعلهم يعرفون بوضوح متى يقومون لإتمام ما بقي من صلاتهم.

أما صلاة الجمعة فلا تجب على المسافر عند جمهور العلماء، فيصلي الظهر مقصورة إذا لم يحضر الجمعة في البلد الذي نزل فيه. فإن حضر الجمعة مع المقيمين صحت منه وأجزأته عن الظهر، ولا يصليها ظهرًا بعد ذلك، وهذا محل اتفاق في الجملة بين المذاهب. ويستحب للمسافر النازل في بلد تقام فيه الجمعة أن يحضرها إن تيسر له ذلك، لما فيها من الفضل ومشاركة المسلمين في شعيرتهم. وفي جمع العصر مع الجمعة للمسافر خلاف بين المعاصرين، ويُرجع فيه إلى جهة الفتوى المعتمدة في بلده.

السنن الرواتب في السفر ومسائل يكثر السؤال عنها

ثبت في أحاديث صحيحة أن النبي ﷺ كان يترك كثيرًا من السنن الرواتب في السفر، ونقل العلماء أنه كان يحافظ على سنة الفجر والوتر في السفر والحضر. ولذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن المسافر يحافظ على سنة الفجر والوتر، وله أن يترك بقية الرواتب، وله أن يصليها، على خلاف بينهم في الأفضل. أما النوافل المطلقة كصلاة الضحى وقيام الليل وتحية المسجد، فيصليها المسافر كما يصليها المقيم، ولا يمنعه السفر منها. وكان النبي ﷺ يصلي النافلة على راحلته في السفر حيث توجهت به، كما ثبت في الصحيحين.

ومن المسائل التي يكثر السؤال عنها حكم من يكثر سفره بحكم عمله، كسائقي النقل والطيارين، وللفقهاء في حالهم تفصيل يرجع فيه إلى أهل الفتوى. ومنها قضاء الصلاة الفائتة، فمن فاتته صلاة في الحضر وقضاها في السفر، أو العكس، ففي عدد ركعاتها خلاف بين الفقهاء. ومنها الصلاة في الطائرة والقطار، وتحديد القبلة ومواقيت الصلاة أثناء الرحلة، وقد أصدرت جهات فتوى كثيرة بيانات تفصيلية في هذه المسائل. وهذا المقال عرض لأقوال الفقهاء في مسائل القصر والجمع، وللفتوى في الحالات الخاصة يُرجع إلى دار الإفتاء أو الجهة الرسمية المعتمدة في كل بلد.


إرسال تعليق

0 تعليقات