يعاني شخص من صداع مستمر وضيق في الصدر، فيقترح عليه أحد الأقارب الذهاب إلى راقٍ مشهور، فيخبره بعد دقائق أنه مصاب بالعين أو المس. ثم تبدأ رحلة من الجلسات والزيوت والمياه المقروءة، وقد يُطلب منه ترك الدواء، أو يُتهم أحد أقاربه بالحسد، دون أي دليل واضح. والرقية الشرعية سنة ثابتة عن النبي ﷺ، لكن ما يُمارس باسمها اليوم يختلط فيه الثابت بما لا أصل له، والنافع بما قد يضر صاحبه. ولذلك اهتم العلماء ببيان حدود الرقية المشروعة، وتمييزها عن الممارسات المبتدعة والمستغلة لحاجة المرضى وضعفهم.
يعرض هذا المقال تعريف الرقية الشرعية وشروطها عند العلماء، وأدلة مشروعيتها من السنة، ورقى ثابتة يمكن أن يرقي بها المسلم نفسه ومريضه. ثم يتناول العين والحسد بين النصوص والمبالغة، وأذكار الحماية اليومية، وفضل رقية النفس، والممارسات التي لا أصل لها أو نهى عنها العلماء. ويختم بالعلاقة بين الرقية والعلاج الطبي والنفسي، وبعلامات تساعد على تمييز الراقي الموثوق من المستغل، مع الإحالة إلى جهات الفتوى والأطباء عند الحاجة. والمقال عرض لما ثبت في النصوص وكلام أهل العلم، ولا يغني عن استشارة الطبيب في أي أعراض جسدية أو نفسية.
ما الرقية الشرعية وما شروطها عند العلماء؟
الرقية هي ما يُقرأ على المريض أو صاحب الألم من القرآن والأذكار والأدعية، طلبًا للشفاء من الله تعالى، وهي من الأسباب المشروعة كالدواء. وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري إجماع العلماء على جواز الرقية إذا اجتمعت فيها ثلاثة شروط أساسية. أولها أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وثانيها أن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه، وثالثها أن يُعتقد أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.
وعلى هذه الشروط يقوم التمييز بين الرقية المشروعة والممنوعة، فكل رقية فيها كلمات غير مفهومة، أو استعانة بغير الله، أو طلاسم ورموز، فهي خارجة عن المشروع. وقد روى مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن رقى كانوا يرقون بها في الجاهلية، فقال: اعرضوا علي رقاكم. ثم قال النبي ﷺ: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، فجعل الضابط خلو الرقية من الشرك ومعانيه. ولذلك أجاز كثير من العلماء الرقية بالأدعية الصحيحة المعنى وإن لم ترد بنصها، ما دامت خالية من المحاذير.
أدلة مشروعية الرقية من السنة النبوية
ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات ونفث، ومسح بيده على جسده. وفي الصحيحين أيضًا قصة أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حين رقى سيد قوم لُدغ بسورة الفاتحة، فشُفي بإذن الله، وأقر النبي ﷺ فعله. وفي الحديث نفسه سأل النبي ﷺ أبا سعيد عن معرفته بأن الفاتحة رقية، في دلالة على فضل هذه السورة وأثرها. وقد رقى جبريل عليه السلام النبي ﷺ حين اشتكى، كما رواه مسلم، مما يدل على مشروعية الرقية وفضلها.
وكان النبي ﷺ يرقي بعض أهله وأصحابه، ويأمر بالرقية من العين، ففي الصحيحين أنه أمر بالاسترقاء من العين، وذلك في أحاديث عن عائشة وأم سلمة. وأجاز النبي ﷺ أخذ الأجر على الرقية في قصة أبي سعيد، وذكر العلماء أن ذلك مشروط بأن تكون الرقية مشروعة، والأجر معقولًا غير مستغل للمريض. وهذه الأحاديث تدل على أن الرقية سبب مشروع للشفاء، يجمع بين الدعاء والتوكل وقراءة القرآن، دون أن تلغي الأسباب الأخرى كالعلاج. وقد جاء الأمر بالتداوي صريحًا في أحاديث أخرى، يأتي ذكرها في القسم الخاص بالعلاج الطبي.
رقى ثابتة عن النبي ﷺ للمريض وصاحب الألم
من الرقى الثابتة ما رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ كان يرقي بعض أهله فيقول: أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي. ويكمل الدعاء بقوله: لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا، ويمسح على المريض بيده اليمنى وهو يقرؤه. ومنها رقية جبريل عليه السلام التي رواها مسلم: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك. ويختم هذه الرقية بقوله: بسم الله أرقيك، ويمكن أن يرقي بها المسلم غيره من أهله وأصدقائه.
ومن الرقى التي يرقي بها المسلم نفسه ما رواه مسلم عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين شكا إلى النبي ﷺ وجعًا في جسده. فأمره النبي ﷺ أن يضع يده على موضع الألم، ويقول بسم الله ثلاثًا، ثم يقول سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. ويضاف إلى ذلك قراءة الفاتحة والمعوذات وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، مع النفث الخفيف والمسح على موضع الألم، على نحو ما ثبت من فعل النبي ﷺ بالمعوذات.
العين والحسد بين ما ورد في النصوص والمبالغة الشائعة
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال العين حق، وقد آمن المسلمون بأن للعين أثرًا بإذن الله، وأن الرقية والدعاء من أسباب الوقاية منها وعلاجها. وورد في السنة علاج خاص للعين، وهو أن يغتسل العائن إذا عُرف، ويُصب الماء على المصاب، كما في قصة سهل بن حنيف التي رواها مالك وأحمد. ومن الوقاية أن يبرّك المسلم إذا رأى ما يعجبه، بأن يقول بارك الله فيه أو ما شاء الله، كما أرشد النبي ﷺ في القصة نفسها.
لكن الإيمان بالعين لا يعني نسبة كل مرض أو فشل أو خلاف إليها، كما يفعل بعض الناس، فيتركون الأسباب الظاهرة ويبحثون عن حاسد مجهول. فالمرض له أسباب طبية يجب البحث عنها، والفشل في العمل أو الدراسة له أسباب عملية، والخلافات الأسرية لها جذور تحتاج إلى معالجة حقيقية. والمبالغة في الخوف من العين قد تسبب القلق والوسواس، وتدفع إلى إخفاء النعم، وسوء الظن بالأقارب والأصدقاء، واتهامهم دون بينة. والمنهج المتوازن أن يأخذ المسلم بالأذكار والتوكل على الله، دون أن يتحول الخوف من العين إلى هاجس يفسد حياته وعلاقاته.
أذكار الحماية اليومية في الصباح والمساء والنوم
من أعظم أذكار الحماية آية الكرسي، ففي صحيح البخاري أن من قرأها عند نومه لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح. ومنها خواتيم سورة البقرة، ففي الصحيحين أن من قرأ الآيتين الأخيرتين منها في ليلة كفتاه، وحمل العلماء ذلك على الكفاية من الشرور وغيرها. ومنها قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحًا ومساءً، وقد روى أبو داود والترمذي أنها تكفي قارئها من كل شيء. وكان النبي ﷺ يقرأ هذه السور عند نومه وينفث في كفيه ويمسح بهما ما استطاع من جسده، كما في صحيح البخاري.
ومن أذكار الصباح والمساء ما رواه أبو داود والترمذي عن عثمان رضي الله عنه: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء. ويكمل الذكر بقوله: وهو السميع العليم، ويقال ثلاث مرات، وورد أن من قاله لم يضره شيء بإذن الله. ومنها ما رواه مسلم عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أن من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل.
لماذا يُفضل أن يرقي المسلم نفسه بنفسه؟
روى البخاري ومسلم حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وذكر النبي ﷺ من صفاتهم أنهم لا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. وفسر كثير من العلماء قوله لا يسترقون بأنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم، لكمال توكلهم على الله واعتمادهم عليه وحده. ولا يعني ذلك تحريم طلب الرقية، فقد أمر النبي ﷺ بالاسترقاء من العين، وإنما يدل على أن رقية النفس والاعتماد على الله أكمل. ولذلك يوصي العلماء المسلم بأن يرقي نفسه وأهله بالرقى الثابتة، فهو أعلم بحاله، وأكثر إخلاصًا في دعائه لنفسه.
ورقية المسلم نفسه لا تحتاج إلى شيخ أو مكان خاص أو طقوس محددة، فيكفي أن يقرأ الفاتحة والمعوذات والأدعية الثابتة بقلب حاضر ويقين بالله. كما يستطيع الوالدان رقية أطفالهما، والزوج رقية زوجته، والعكس، فتبقى الرقية داخل الأسرة بعيدًا عن الاستغلال والتكاليف والمخاطر. وقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بقوله: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، كما في البخاري. وهذا نموذج عملي سهل لرقية الأبناء، يستطيع الوالدان حفظه والمداومة عليه صباحًا ومساءً وعند النوم.
ممارسات لا أصل لها أو نهى عنها العلماء
من الممارسات المنهي عنها تعليق التمائم والخيوط والخرز لدفع العين أو جلب النفع، وقد روى أبو داود وابن ماجه حديثًا في النهي عنها وعدها من الشرك. واختلف العلماء في تعليق التمائم التي فيها قرآن، فأجازها بعض السلف، ومنعها آخرون سدًا للذريعة وصيانة للقرآن، وهو ما عليه كثير من المعاصرين. ومن المنهي عنه الذهاب إلى السحرة والمشعوذين، ومن علاماتهم سؤال المريض عن اسم أمه، أو طلب أشياء من أثره، أو كتابة طلاسم. وقد ورد في صحيح مسلم أن من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة.
ومن الممارسات التي ينبه العلماء إلى خطرها ضرب المريض أو خنقه أو إيذاؤه بحجة إخراج الجن، وقد أدت هذه الممارسات إلى إصابات ووفيات في حالات مختلفة. ومنها الاعتماد على كلام من يزعم أنه جني يتحدث على لسان المريض، واتهام الأقارب بالسحر بناء على ذلك، فيُقطع الرحم ويُظلم الأبرياء. ومنها تحديد أعداد وطرق خاصة للقراءة لم ترد في السنة، مع اعتقاد فضل خاص فيها، أو الادعاء بمعرفة الغيب وتشخيص المرض بمجرد النظر. ومنها الخلوة بالنساء أثناء الرقية، أو لمسهن بغير حاجة، وهو أمر محرم تكررت بسببه حوادث استغلال مؤسفة.
واختلف العلماء في القراءة في الماء والزيت ثم شربه أو الادهان به، فأجازه كثير منهم استنادًا إلى آثار عن بعض السلف، ورأى آخرون أنه لا يثبت فيه نص صريح. والرقية الجماعية بمكبرات الصوت أو عبر القنوات مما اختلف فيه المعاصرون أيضًا، ويُرجع في هذه المسائل إلى جهات الفتوى المعتمدة. والقاعدة التي يذكرها العلماء أن الأصل في الرقية الاتباع، وأن كل ما خالف الشروط الشرعية أو أضر بالمريض يجب تركه مهما انتشر بين الناس أو اشتهر.
الرقية والعلاج الطبي والنفسي: تكامل لا تعارض
أمر النبي ﷺ بالتداوي، فقد روى أبو داود والترمذي أنه قال: تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد هو الهرم. وهذا يدل على أن طلب العلاج الطبي من الأخذ بالأسباب المشروعة، ولا يتعارض مع التوكل على الله أو مع الرقية والدعاء. ولذلك يؤكد العلماء وجهات الفتوى أن الرقية لا تغني عن الطبيب، وأن ترك العلاج بحجة الرقية قد يعرض المريض لخطر كبير يأثم به من تسبب فيه. والمنهج الصحيح أن يجمع المريض بين العلاج الطبي والرقية والدعاء، فكلها أسباب يرجو بها الشفاء من الله.
وكثير من الأعراض التي ينسبها الناس إلى العين أو المس، كالضيق المستمر والأرق والخوف والنوبات، قد تكون أعراضًا لاضطرابات نفسية أو عصبية لها علاج فعال. فالاكتئاب والقلق والوسواس القهري والصرع وبعض الاضطرابات الذهانية تظهر بأعراض قد يفسرها غير المختص تفسيرًا غيبيًا، فيتأخر العلاج ويتفاقم المرض. ولذلك فإن من يعاني أعراضًا نفسية أو جسدية مستمرة يحتاج إلى تقييم طبي أولًا، ويمكنه أن يرقي نفسه بالتوازي مع العلاج دون تعارض. والتوقف عن الأدوية النفسية أو أدوية الصرع فجأة بناء على نصيحة غير طبية قد يسبب مضاعفات خطيرة.
كيف تميز الراقي الموثوق من المستغل؟
الراقي الموثوق يلتزم بالقرآن والأذكار الثابتة، ويقرأ بصوت مسموع مفهوم، ولا يستخدم طلاسم أو كلمات غريبة، ولا يسأل عن أسماء الأمهات أو أثر المريض. ويحث المريض على مراجعة الطبيب والاستمرار في علاجه، ولا يدعي معرفة الغيب، ولا يتهم الناس بالسحر أو الحسد بلا بينة. ولا يخلو بالنساء، ولا يلمس المريضة، ويشترط حضور المحارم، ويعلم المريض كيف يرقي نفسه بدل أن يربطه بجلسات متكررة لا تنتهي. ولا يطلب مبالغ كبيرة أو يبيع منتجات بأسعار مبالغ فيها بزعم أنها مقروء عليها أو ذات خصائص علاجية.
أما المستغل فيعرف من مبالغته في تشخيص الناس بالسحر والمس، وتخويفهم من أقاربهم، وربطهم به بجلسات طويلة ومكلفة، وطلبه ترك الأدوية. ومن علاماته كذلك الإيذاء الجسدي، والادعاء بالكرامات والقدرات الخارقة، والإعلانات المبالغ فيها، والحرص على الشهرة والمال أكثر من مصلحة المريض. وإذا شك المسلم في راقٍ أو ممارسة، فالأسلم تركه، والرجوع إلى أهل العلم الموثوقين وجهات الفتوى الرسمية لمعرفة الحكم الصحيح. وهذا المقال عرض لما ثبت في السنة وكلام العلماء عن الرقية، ولا يغني عن استشارة الطبيب في الأعراض الصحية، ولا عن سؤال جهات الفتوى المعتمدة.
0 تعليقات