صيام التطوع: أيامه وما ورد في فضله

 

ينتهي رمضان فيشعر كثيرون بفراغ روحي بعد شهر من الصيام والقيام، ويبحثون عن طريقة تحفظ لهم شيئًا من أجوائه طوال العام. ومن أيسر هذه الطرق صيام التطوع، الذي شرعه النبي ﷺ في أيام محددة من الأسبوع والشهر والسنة، ووعد عليه بأجور عظيمة في أحاديث صحيحة. لكن كثيرين يخلطون بين الأيام الثابت فضلها والأيام التي لم يرد فيها شيء، أو يجهلون أحكامًا عملية كالنية وقطع الصيام وتقديم القضاء. ومعرفة هذه الأحكام تعين المسلم على جعل صيام التطوع عادة ثابتة، بدل أن يبقى حماسًا موسميًا ينقطع سريعًا.

يعرض هذا المقال فضل صيام التطوع، ثم الأيام التي ورد فيها فضل خاص، كست شوال وعرفة وعاشوراء والاثنين والخميس والأيام البيض. ويتناول صيام داود وصيام المحرم وشعبان وعشر ذي الحجة، ثم الأيام التي نُهي عن صيامها أو كُره إفرادها بالصوم. ويختم بأحكام النية وقطع الصيام، ومسألة الجمع بين القضاء والتطوع، وضوابط عملية تساعد على الاستمرار، مع بيان مواضع الخلاف بين الفقهاء. والمقال عرض لأقوال أهل العلم، ويُرجع في الحالات الخاصة إلى جهة الفتوى المعتمدة، وفي الحالات الصحية إلى الطبيب قبل الصيام.

فضل صيام التطوع ومكانته بعد الفريضة

صيام التطوع من أحب الأعمال إلى الله، وقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ أخبر أن من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا. وحمل كثير من العلماء قوله في سبيل الله على الإخلاص وابتغاء وجه الله، وحمله آخرون على الصيام في الجهاد. وفي الصحيحين في الحديث القدسي أن الله تعالى قال عن الصوم إنه له وهو يجزي به، في إشارة إلى عظم أجره. والنوافل عمومًا تجبر ما قد يقع من نقص في الفرائض، كما في حديث رواه أبو داود والترمذي.

والتطوع بالصيام يعود المسلم على الصبر وضبط النفس، ويحفظ له أثر رمضان، ويجعل علاقته بالعبادة مستمرة لا موسمية. وقد كان النبي ﷺ يصوم أيامًا من كل شهر، ويتحرى أيامًا بعينها من الأسبوع والسنة، مع مراعاة التوازن وعدم المشقة على نفسه وأصحابه. ولذلك نهى النبي ﷺ عن صيام الدهر كله، وأرشد عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما إلى صيام يوم وإفطار يوم بوصفه أفضل الصيام. وهذا التوازن مقصد مهم، حتى لا يتحول التطوع إلى عبء يضعف المسلم عن واجباته الأخرى.

صيام الست من شوال وما ورد فيه

روى مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال إن من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر. وفسر العلماء ذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام الستة بستين يومًا، فيكون المجموع كصيام سنة كاملة. وقد استحب صيامها جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة ومتأخري الحنفية، استنادًا إلى هذا الحديث الصحيح. ونُقل عن الإمام مالك كراهة صيامها، خشية أن يظنها الناس واجبة ملحقة برمضان، وحمل بعض المالكية الكراهة على من يعتقد وجوبها أو يصلها برمضان.

ويجوز صيام الست متتابعة أو متفرقة خلال شهر شوال، واستحب بعض الفقهاء التتابع بعد يوم العيد مباشرة مبادرة إلى الخير. ولا يجوز صيام يوم العيد نفسه، فيبدأ الصيام من اليوم الثاني من شوال، ويمتد وقتها إلى نهاية الشهر. ومن فاتته الست في شوال لعذر، فللفقهاء في صيامها بعده أقوال، والأصل أن فضلها المذكور مرتبط بشهر شوال كما جاء في الحديث. ومن شق عليه صيامها كلها، فلا حرج عليه في صيام ما تيسر منها، فهي نافلة وليست فريضة.

صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وتاسوعاء

يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة، وقد روى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن صيامه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. ويستحب صيامه لغير الحاج باتفاق الفقهاء في الجملة، أما الحاج الواقف بعرفة فالجمهور على أن الأفضل له الفطر، ليتقوى على الدعاء والذكر. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان مفطرًا يوم عرفة في حجة الوداع، وشرب أمام الناس، كما في الصحيحين. والمقصود بتكفير الذنوب عند جمهور العلماء الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة خاصة بشروطها المعروفة.

أما عاشوراء فهو اليوم العاشر من شهر المحرم، وقد روى مسلم أن صيامه يكفر السنة التي قبله، وكان النبي ﷺ يصومه ويأمر بصيامه. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ عزم على صيام التاسع معه في العام التالي، لكنه توفي قبل ذلك، فاستحب العلماء صيام تاسوعاء مع عاشوراء. وذكر بعض العلماء أن مراتب صيامه ثلاث، أكملها صيام التاسع والعاشر والحادي عشر، ثم التاسع والعاشر، ثم العاشر وحده. وقد صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نجاة موسى عليه السلام، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس.

صيام الاثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر

كان النبي ﷺ يتحرى صيام يومي الاثنين والخميس، وروى الترمذي أنه علل ذلك بأن الأعمال تُعرض على الله فيهما، فأحب أن يُعرض عمله وهو صائم. وفي صحيح مسلم أنه سئل عن صيام يوم الاثنين، فقال إنه يوم ولد فيه، ويوم بُعث فيه أو أنزل عليه فيه. وصيام هذين اليومين من أيسر صور التطوع وأكثرها انتظامًا، لأنهما يتكرران كل أسبوع، ويمكن أن يبدأ المسلم بأحدهما ثم يضيف الآخر. ويناسب هذا الصيام من يعمل في أيام الأسبوع، مع الحرص على السحور ووجبة إفطار متوازنة.

أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فقد ورد فيه أنه كصيام الدهر، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. واستحب كثير من العلماء أن تكون هذه الأيام هي الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر هجري. وقد روى الترمذي والنسائي أحاديث في الأمر بصيامها، وسُميت بالبيض لأن لياليها مضيئة بنور القمر المكتمل في منتصف الشهر. ومن لم يتيسر له صيام الأيام البيض، فصيام أي ثلاثة أيام من الشهر يحصل به أصل الفضل عند كثير من العلماء.

صيام داود وشهر المحرم وشعبان وعشر ذي الحجة

صيام داود عليه السلام هو صيام يوم وإفطار يوم، وقد وصفه النبي ﷺ بأنه أحب الصيام إلى الله وأفضله، كما في الصحيحين. وهو أعلى درجات صيام التطوع، لكنه يحتاج إلى قدرة واستمرار، ولا يناسب كل الناس، ولذلك يبدأ كثيرون بما هو أيسر منه. ومن الأوقات الفاضلة شهر المحرم، فقد روى مسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم. وحمل العلماء ذلك على الإكثار من الصيام فيه، لا على صيامه كاملًا بالضرورة، مع تأكيد عاشوراء خاصة.

ومنها شهر شعبان، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ لم يكن يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وأنه كان يصوم أكثره. وذكر العلماء من حكم ذلك أنه شهر تُرفع فيه الأعمال، كما في حديث رواه النسائي، وأنه استعداد لرمضان وتهيئة للنفس. ومنها العشر الأوائل من ذي الحجة، ففي البخاري أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها، والصيام من أفضل العمل الصالح. ولذلك استحب جمهور الفقهاء صيام الأيام التسعة الأولى منها، مع الإشارة إلى أن يوم العيد نفسه لا يجوز صيامه.

أيام نُهي عن صيامها أو كُره إفرادها

أجمع العلماء على تحريم صيام يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، لما ثبت في الصحيحين من نهي النبي ﷺ عن صيامهما. ونهى النبي ﷺ عن صيام أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ووصفها بأنها أيام أكل وشرب وذكر لله. واستثنى بعض الفقهاء من ذلك الحاج الذي لم يجد الهدي، لحديث في البخاري يرخص له في صيامها، على خلاف بينهم في التفصيل. والحكمة من ذلك أن هذه الأيام أيام فرح وضيافة من الله لعباده بعد عبادة الحج والأضحية.

وكره جمهور العلماء إفراد يوم الجمعة بالصيام، لنهي النبي ﷺ عن ذلك في الصحيحين، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده. فإن وافق يوم الجمعة صيامًا معتادًا كيوم عرفة أو عاشوراء أو صيام يوم وإفطار يوم، فلا كراهة عند كثير من العلماء. واختلف العلماء في إفراد السبت بالصيام، وفي صيام يوم الشك وهو الثلاثون من شعبان إذا لم يُر الهلال، والجمهور على النهي عن صيامه احتياطًا لرمضان. ويستثنى من ذلك من وافق يوم الشك عادة صيام له، كمن اعتاد صيام الاثنين، بحسب ما ذكره الفقهاء.

النية في صيام التطوع والفطر بعد الشروع فيه

يشترط في صيام الفريضة تبييت النية من الليل عند جمهور الفقهاء، أما صيام التطوع فقد ذهب الجمهور إلى جواز نيته من النهار. واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ دخل عليها فسأل هل عندكم شيء، فلما قالت لا، قال فإني إذن صائم. واشترط أكثرهم ألا يكون قد أكل أو شرب أو أتى مفطرًا منذ الفجر، واختلفوا في آخر وقت تصح فيه النية، فقيده بعضهم بما قبل الزوال. وخالف المالكية في ذلك، فاشترطوا تبييت النية من الليل في صيام الفرض والنفل معًا على السواء.

أما قطع صيام التطوع بعد الشروع فيه، فذهب الشافعية والحنابلة إلى جوازه، مع استحباب إكماله، واستدلوا بحديث المتطوع أمير نفسه الذي رواه الترمذي وأحمد. وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب إتمامه، وأوجبوا قضاءه إذا أفطر، على تفصيل عند المالكية في الفطر بعذر أو بغير عذر. ومن الأعذار التي تبيح الفطر في التطوع عند كثير من العلماء دعوة إلى طعام يشق رفضها، أو ضيف يحتاج إلى مؤانسة، أو تعب طارئ. وفي الحالات الصحية الطارئة كالدوخة الشديدة أو الإعياء، يقدَّم حفظ النفس، ويفطر الصائم دون حرج.

الجمع بين قضاء رمضان وصيام التطوع

من كان عليه قضاء من رمضان، فالأصل أن يبادر إليه قبل التطوع، لأن الفريضة دين في ذمته، وأداء الواجب مقدم على النافلة. واختلف العلماء في جواز التطوع قبل القضاء، فأجازه بعضهم مع الكراهة، ومنعه بعض الحنابلة في رواية، وأجازه آخرون مطلقًا ما دام وقت القضاء متسعًا. أما الست من شوال خاصة، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أن فضلها المذكور يترتب على إكمال رمضان أولًا، لقوله في الحديث من صام رمضان ثم أتبعه. وذهب آخرون إلى حصول فضلها لمن صامها قبل القضاء إذا كان له عذر في الفطر، كالمرأة الحائض.

واختلف العلماء كذلك في الجمع بين نية القضاء ونية التطوع في يوم واحد، كصيام يوم عرفة بنية قضاء رمضان. فذهب بعض الشافعية إلى حصول ثواب التطوع مع القضاء، ومنع آخرون التشريك، لأن كلًا من العبادتين مقصودة لذاتها في رأيهم. وفي الست من شوال خاصة، يرى كثير من العلماء عدم صحة الجمع بينها وبين القضاء بنية واحدة، لأن الحديث جعلها تابعة لرمضان كاملًا. وهذه المسائل من مواضع الاجتهاد، ولذلك يحسن بالمرأة التي عليها قضاء أيام كثيرة أن تسأل جهة الفتوى المعتمدة عن ترتيب صيامها.

ضوابط عملية تجعل صيام التطوع عادة مستمرة

العمل الذي يستمر عليه صاحبه أحب إلى الله من العمل الكثير المنقطع، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. ولذلك يبدأ المسلم بقدر يسير يستطيع المداومة عليه، كيوم في الأسبوع، ثم يزيد تدريجيًا إلى الاثنين والخميس والأيام البيض. ويفيد وضع هذه الأيام في التقويم مسبقًا، وتحضير السحور من الليلة السابقة، واختيار أيام لا يكثر فيها الجهد البدني أو الالتزامات الاجتماعية. كما يفيد الصيام مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء، فتتحول العبادة إلى عادة مشتركة يتعاون عليها الجميع، ويجتمعون عند الإفطار.

ويستحب في صيام التطوع ما يستحب في صيام رمضان من السحور وتعجيل الفطر، ففي الصحيحين أن في السحور بركة، وأن الناس بخير ما عجلوا الفطر. ويفيد الاعتدال في وجبتي السحور والإفطار، والإكثار من الماء بينهما، وتجنب الأطعمة شديدة الملوحة التي تزيد العطش خلال النهار. ويستحب للصائم المتطوع أن يحفظ لسانه وجوارحه كما في الفريضة، لأن مقصود الصيام تهذيب النفس، لا مجرد الامتناع عن الطعام والشراب. ومن ذاق أثر هذه العبادة في نفسه وأخلاقه، وجد في الاستمرار عليها سهولة لا يجدها في البداية.

ويحتاج صاحب الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض الكلى والحامل والمرضع إلى استشارة الطبيب قبل صيام التطوع، لأن الصيام قد يؤثر في حالتهم الصحية. والتطوع لا يُطلب على حساب الصحة أو الواجبات، فمن أضر به الصيام أو قصّر بسببه في عمله أو رعاية أسرته، فالأولى له التخفيف. وللمرأة المتزوجة أحكام خاصة في صيام التطوع، ففي الصحيحين أنها لا تصوم تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه، مراعاة لحقوق الأسرة. وهذا المقال عرض لأقوال أهل العلم في صيام التطوع، ويُرجع في الحالات الخاصة إلى جهة الفتوى المعتمدة في بلدك.


إرسال تعليق

0 تعليقات