يظن كثيرون أن المشي نشاط أخف من أن يغير شيئًا في الجسم، وأن الفائدة الحقيقية محجوزة للجري ورفع الأثقال والتمارين الشاقة في الصالات الرياضية. لكن توصيات منظمة الصحة العالمية تعد المشي السريع نشاطًا متوسط الشدة، وتكفي منه نصف ساعة في خمسة أيام لبلوغ الحد الأدنى الأسبوعي الموصى به للبالغين. ويتغير في الجسم خلال هذه الدقائق الثلاثين أكثر مما يتوقع معظم الناس، بدءًا من القلب والعضلات وانتهاء بالمزاج وجودة النوم في الليلة نفسها.
يتتبع هذا المقال ما يحدث في الجسم منذ الدقائق الأولى للمشي، ثم أثره المنتظم في القلب وضغط الدم وسكر الدم والوزن والعظام والمفاصل والصحة النفسية. ويجيب عن أسئلة عملية تتكرر كثيرًا، مثل حقيقة عدد السعرات التي يحرقها المشي، وهل يجب أن تكون الثلاثون دقيقة متصلة أم يجوز تقسيمها على اليوم. ويختم بخطوات تساعد المبتدئ على البدء دون إصابة أو انقطاع، مع العلامات التي تستدعي التوقف ومراجعة الطبيب قبل الاستمرار في المشي.
ماذا تقول التوصيات الصحية عن النشاط البدني الأسبوعي؟
توصي منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها الصادرة عام 2020 بأن يمارس البالغون ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني متوسط الشدة. ويمكن استبدال ذلك بما بين 75 و150 دقيقة من النشاط عالي الشدة، مع تمارين لتقوية العضلات يومين على الأقل في الأسبوع. والمشي السريع يدخل في الفئة الأولى، ولذلك فإن ثلاثين دقيقة منه في خمسة أيام تحقق الحد الأدنى من التوصية دون حاجة إلى أي معدات. ولا يشترط أن يكون المشي في مكان مخصص، فالمشي إلى العمل أو السوق يحتسب ما دامت السرعة كافية.
والمقصود بالشدة المتوسطة أن يرتفع معدل ضربات القلب والتنفس بوضوح ملحوظ، مع بقاء القدرة على الكلام بجمل كاملة دون القدرة على الغناء. ويسمي المختصون هذه الطريقة اختبار الكلام، وهي أبسط من حساب النبض وأقرب إلى الواقع بالنسبة لمعظم الناس الذين لا يملكون أجهزة قياس دقيقة. فإذا كنت تستطيع الغناء وأنت تمشي فالسرعة أقل من المطلوب غالبًا، وإذا كنت تلهث ولا تكمل الجملة فأنت أقرب إلى الشدة العالية منك إلى المتوسطة. وهذا المعيار البسيط يغني المبتدئ عن الانشغال بالأرقام والأجهزة في أسابيعه الأولى من المشي المنتظم.
ما الذي يحدث في الدقائق الأولى من المشي؟
مع أولى خطواتك يرتفع معدل ضربات القلب تدريجيًا، ويتسع عدد من الأوعية الدموية في العضلات العاملة، فيصلها دم أكثر محمل بالأكسجين والوقود. ويزداد عمق التنفس وسرعته ليواكب هذا الطلب، بينما تبدأ العضلات في استهلاك الجلوكوز الموجود في الدم ومخزون السكر المحفوظ داخلها. وخلال دقائق قليلة يصل الجسم إلى حالة من الاستقرار، يتوازن فيها ما تطلبه العضلات مع ما يوفره القلب والرئتان دون إرهاق. ولهذا تبدو الدقائق الخمس الأولى أثقل من بقية المسافة عند كثير من الناس، ثم يصبح المشي أسهل بعدها.
ويشيع اعتقاد بأن الجسم لا يحرق الدهون إلا بعد عشرين دقيقة من بدء النشاط، وهو تبسيط غير دقيق لعملية أكثر تدرجًا من ذلك. فالجسم يستخدم الدهون والسكريات معًا منذ البداية، ثم تتغير نسبة كل منهما بحسب شدة النشاط ومدته ومستوى لياقة الشخص. والأهم لمن يهتم بالوزن هو مجموع الطاقة المستهلكة على مدى الأسابيع، لا نوع الوقود المستخدم في دقيقة معينة من دقائق المشي. ولذلك لا يضيع المشي القصير سدى كما يظن بعضهم، فكل دقيقة منه تضاف إلى الرصيد الأسبوعي.
أثر المشي المنتظم في القلب وضغط الدم
القلب عضلة تتكيف مع الجهد المنتظم، فبعد أسابيع من المشي اليومي يصبح أقدر على ضخ كمية أكبر من الدم في كل نبضة، فيقل عدد نبضاته في وقت الراحة. وتصبح الأوعية الدموية أكثر مرونة وقدرة على التمدد، وهو ما يساعد على خفض ضغط الدم لدى كثير ممن يعانون ارتفاعه الخفيف أو المتوسط. كما يرتبط النشاط المنتظم بتحسن مستوى الكوليسترول النافع في الدم، وبانخفاض الدهون الثلاثية لدى من ترتفع لديهم نتيجة الخمول وقلة الحركة.
وتربط الدراسات الكبيرة المشي المنتظم بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، مقارنة بمن يقضون معظم يومهم في الجلوس دون نشاط يذكر. ولا تظهر هذه الفوائد في أسبوع أو أسبوعين، وإنما تتراكم مع الاستمرار، وتتراجع تدريجيًا إذا انقطع الشخص عن المشي شهورًا. ولا يعني ذلك أن المشي بديل عن أدوية الضغط أو القلب لمن يحتاجونها، فأي تعديل في العلاج يكون بقرار الطبيب المعالج وحده. لكن المشي المنتظم يبقى جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية التي يوصي بها الأطباء عادة لهؤلاء المرضى.
المشي وسكر الدم وتوقيته بعد الوجبات
العضلات العاملة تسحب الجلوكوز من الدم بطريقة تعتمد جزئيًا على الانقباض نفسه، ولذلك يساعد المشي على خفض سكر الدم حتى لدى من تقل استجابة أجسامهم للإنسولين. ويستمر هذا الأثر ساعات بعد انتهاء المشي، لأن العضلات تعيد ملء مخزونها من السكر وتبقى أكثر حساسية للإنسولين خلال تلك الفترة. ومع الانتظام تتحسن قدرة الجسم على التعامل مع السكر بوجه عام، وهو ما يهم المعرضين لخطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بصفة خاصة.
ويبدو أن توقيت المشي له أثر إضافي، إذ تشير دراسات إلى أن المشي الخفيف بعد الوجبة يحد من الارتفاع الحاد في السكر الذي يعقب الأكل. ولا يشترط أن يكون المشي طويلًا أو سريعًا للحصول على هذه الفائدة، فحتى دقائق قليلة من الحركة الهادئة بعد الغداء أو العشاء تحدث فرقًا ملحوظًا. أما مرضى السكري الذين يستخدمون الإنسولين أو أدوية معينة، فيحتاجون إلى استشارة الطبيب لتجنب انخفاض السكر المفاجئ أثناء المشي أو بعده.
كم سعرة يحرق المشي فعلًا وهل يكفي لإنقاص الوزن؟
يحرق المشي السريع لمدة نصف ساعة ما يقارب مئة إلى مئتي سعرة حرارية، ويختلف الرقم بحسب وزن الشخص وسرعته وطبيعة الطريق من حيث الصعود والاستواء. فالشخص الأثقل وزنًا يحرق أكثر في المسافة نفسها، والمشي على منحدر صاعد يرفع الاستهلاك بوضوح مقارنة بالمشي على أرض مستوية. وهذا رقم قد يبدو صغيرًا حين يقارن بسعرات قطعة حلوى واحدة، ولذلك يصاب بعض المبتدئين بالإحباط حين لا تتغير أوزانهم سريعًا. لكن الصورة تختلف حين ننظر إلى الأثر المتراكم على مدى شهور لا على مدى أيام.
والدراسات تشير إلى أن المشي وحده يؤدي في الغالب إلى نقص محدود في الوزن ما لم يصاحبه تعديل في النظام الغذائي. لكن قيمته الكبرى تظهر في الحفاظ على الوزن بعد إنقاصه، وفي تقليل دهون البطن، وفي حماية الكتلة العضلية التي تتراجع عادة مع قلة الحركة والتقدم في العمر. كما أن الميزان لا يعكس كل التغيرات، فقد يتحسن ضغط الدم وسكر الدم واللياقة العامة قبل أن يظهر أي فرق يذكر في الوزن.
ولمن يهدف إلى إنقاص الوزن، فإن الجمع بين المشي اليومي وتقليل المشروبات المحلاة والوجبات المصنعة يعطي نتيجة أوضح من الاعتماد على أحدهما وحده. ويلاحظ بعض الناس أن شهيتهم تزداد بعد المشي، فيعوضون ما أحرقوه بوجبة خفيفة إضافية دون انتباه، وهو أمر يستحق المراقبة لا القلق. والأفضل أن يُنظر إلى المشي على أنه عادة صحية طويلة المدى، تستحق الاستمرار حتى لو لم يتحرك الميزان كثيرًا في الأسابيع الأولى من الالتزام بها.
المشي وصحة العظام والمفاصل مع التقدم في العمر
المشي نشاط يحمل فيه الجسم وزنه، وهذا النوع من الأحمال يحفز العظام على الحفاظ على كثافتها، وإن كان أثره أقل من أثر تمارين المقاومة والقفز. ولذلك يفيد المشي في إبطاء فقدان الكثافة العظمية مع التقدم في العمر، لكنه لا يغني وحده عن تمارين تقوية العضلات التي توصي بها الإرشادات. ويساعد المشي المنتظم كذلك على تحسين التوازن وقوة الساقين، وهو ما يقلل خطر السقوط الذي يسبب كثيرًا من الكسور لدى كبار السن.
أما المفاصل فإن الغضروف الذي يغطي أطراف العظام لا تصله الأوعية الدموية بصورة مباشرة، ويعتمد في تغذيته على السائل الذي يتحرك داخل المفصل مع الحركة. ولهذا فإن الحركة المعتدلة تفيد المفصل غالبًا، وتوصي الإرشادات الطبية بالمشي لكثير من مرضى خشونة الركبة، بعد تقييم الطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي. وقد يشعر المصاب ببعض الألم في الأيام الأولى، لكن الألم الذي يزداد بوضوح أو يصاحبه تورم يستدعي التوقف ومراجعة المختص قبل الاستمرار.
أثر المشي اليومي في المزاج وجودة النوم
تربط دراسات كثيرة بين النشاط البدني المنتظم وتخفيف أعراض القلق والاكتئاب الخفيف والمتوسط، والمشي من أسهل صور هذا النشاط وأكثرها قابلية للاستمرار. ويعزو الباحثون ذلك إلى أسباب متعددة، منها تأثير الحركة في كيمياء الدماغ، والخروج من المكان المغلق، والتعرض لضوء النهار، والشعور بالإنجاز اليومي. ويزيد الأثر حين يكون المشي في مكان مفتوح أو في صحبة شخص آخر، إذ يجمع بين الحركة والتواصل الاجتماعي في وقت واحد. ومع ذلك فإن المشي عامل مساعد، ومن يعاني اكتئابًا واضحًا يحتاج إلى تقييم مختص إلى جانبه.
وينعكس المشي المنتظم على النوم أيضًا، فمن يمشي نهارًا يغفو في الغالب أسرع وينام نومًا أعمق من الشخص الخامل. ويعود جزء من ذلك إلى ارتفاع الحاجة إلى النوم بعد يوم نشيط بدنيًا، وجزء آخر إلى التعرض لضوء النهار الذي يضبط الساعة الداخلية للجسم. أما المشي الهادئ في المساء فلا يؤثر سلبًا في نوم معظم الناس، على عكس التمارين الشاقة التي قد تبقي بعضهم في حالة يقظة إذا جاءت قبل النوم مباشرة.
هل يلزم أن تكون الثلاثون دقيقة متصلة؟
كانت بعض الإرشادات القديمة تشترط أن تستمر فترة النشاط عشر دقائق على الأقل حتى تحتسب، لكن إرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 2020 تخلت عن هذا الشرط. وأصبحت الرسالة الأساسية أن كل حركة لها قيمة، وأن مجموع النشاط على مدى الأسبوع أهم من طريقة توزيعه على الأيام والساعات. ولذلك يمكن تقسيم الثلاثين دقيقة إلى ثلاث فترات قصيرة، في الصباح وبعد الغداء وفي المساء، مع الحصول على فائدة قريبة من المشي المتصل.
وهذا التقسيم يناسب من يعمل ساعات طويلة أو يجد صعوبة في تخصيص نصف ساعة متصلة، ويجمع بين فائدة النشاط وفائدة كسر فترات الجلوس الطويلة. ومن الطرق العملية أن تنزل من المواصلات قبل محطتك بمحطة واحدة، أو أن تستخدم الدرج بدل المصعد، أو أن تمشي أثناء المكالمات الهاتفية. أما من يستطيع المشي المتصل فقد يجد فيه ميزة إضافية، وهي أنه يمنحه وقتًا للتفكير الهادئ بعيدًا عن الشاشات والمقاطعات المعتادة في يومه.
كيف يبدأ المبتدئ دون إصابة أو انقطاع؟
القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يلتزمها المبتدئ هي التدرج، فيبدأ بمدة يستطيع الالتزام بها دون إرهاق، كعشر دقائق أو خمس عشرة يوميًا، ثم يزيدها بضع دقائق كل أسبوع. ويبدأ بسرعة مريحة في الأيام الأولى، ثم يرفعها تدريجيًا حتى يصل إلى المشي السريع الذي يجتاز اختبار الكلام المذكور في أول المقال. ويساعد الحذاء المريح الذي يدعم القدم، والملابس المناسبة للطقس، واختيار وقت أقل حرارة في أشهر الصيف، على الاستمرار دون إصابات أو إجهاد حراري.
ويفيد في الاستمرار ربط المشي بعادة ثابتة في اليوم، كالمشي بعد صلاة العصر أو بعد وجبة العشاء مباشرة، وتسجيل الأيام في تقويم بسيط يظهر التقدم أسبوعًا بعد أسبوع. ومن المفيد كذلك ألا يعد المبتدئ اليوم الفائت فشلًا يبرر التوقف، فالغياب يومًا أو يومين أمر طبيعي، والمهم هو العودة في اليوم التالي. وفي الأيام الممطرة أو شديدة الحرارة يمكن المشي داخل مركز تجاري أو في ممرات البيت، بدلًا من إلغاء النشاط بالكامل.
ومن يعاني مرضًا في القلب أو ضغطًا مرتفعًا غير منضبط أو سكريًا أو مشكلة في المفاصل، يحسن به أن يستشير طبيبه قبل البدء في برنامج منتظم. ويجب التوقف فورًا وطلب المساعدة الطبية عند الشعور بألم أو ضغط في الصدر، أو دوار شديد، أو ضيق في التنفس لا يتناسب مع الجهد المبذول. وهذا المقال للتثقيف العام، ولا يغني عن تقييم الطبيب لمن لديهم ظروف صحية خاصة أو يتناولون أدوية تؤثر في النبض أو الضغط.
0 تعليقات