يكرر كثيرون أن على كل إنسان أن يشرب ثمانية أكواب من الماء يوميًا، وتظهر القاعدة في التطبيقات والإعلانات ونصائح الأصدقاء كأنها حقيقة علمية ثابتة. لكن مراجعة علمية نشرها الطبيب الأمريكي هاينز فالتين عام 2002 بحثت عن الدليل الذي تستند إليه هذه القاعدة، فلم يجد دراسة واحدة تثبتها بهذا الشكل. والأغرب أن التوصية القديمة التي يُرجح أنها أصل القاعدة كانت تتضمن جملة مهمة سقطت من الذاكرة الشعبية، وهي جملة تغير معناها بالكامل.
يتتبع هذا المقال أصل القاعدة، ثم يعرض ما تقوله الجهات العلمية المعتمدة عن احتياج الجسم اليومي من الماء، ومن أين يأتي هذا الماء فعلًا. ويجيب عن أسئلة شائعة، مثل أثر الشاي والقهوة في الترطيب، وكيف تعرف أن جسمك يحصل على كفايته دون عد الأكواب، ومتى يحتاج إلى كمية أكبر. ويختم بعلامات نقص الماء من الخفيفة إلى الخطرة، وبالفئات التي لا ينبغي أن تحدد كمية شربها بنفسها، بل بتوجيه من الطبيب المعالج.
من أين جاءت قاعدة الأكواب الثمانية أصلًا؟
يُرجع كثير من الباحثين القاعدة إلى توصية أصدرها مجلس الغذاء والتغذية الأمريكي عام 1945، تقول إن البالغ يحتاج في معظم الحالات إلى نحو لترين ونصف من الماء يوميًا. لكن التوصية نفسها أضافت بعد ذلك مباشرة أن معظم هذه الكمية موجودة أصلًا في الأطعمة المطهوة والمجهزة، أي أنها لا تُشرب كلها ماءً خالصًا. وقد انتشر الشطر الأول من التوصية وسقط الشطر الثاني، فتحولت كمية الماء الإجمالية إلى كمية يجب شربها من الكوب بالإضافة إلى الطعام.
ويرى باحثون آخرون أن للقاعدة أصلًا ثانيًا في كتاب عن التغذية صدر في السبعينيات، اقترح فيه مؤلفه شرب ستة إلى ثمانية أكواب يوميًا بصورة عامة. ومع الوقت تحولت هذه الاقتراحات العامة إلى رقم ثابت يتداوله الناس، دون الالتفات إلى أن الاحتياج يختلف بحسب الجسم والمناخ والنشاط والطعام الذي يتناوله كل شخص. وحين راجع فالتين الأدلة المتاحة، خلص إلى أن الأصحاء الذين يعيشون في مناخ معتدل لا يحتاجون إلى إجبار أنفسهم على هذه الكمية تحديدًا.
ماذا تقول الجهات العلمية عن الاحتياج اليومي للماء؟
لا تحدد الجهات العلمية المعتمدة رقمًا ثابتًا للشرب، وإنما تتحدث عن إجمالي الماء الذي يحصل عليه الجسم من كل المصادر، أي من المشروبات كلها ومن الطعام معًا. فالأكاديميات الوطنية الأمريكية تقدر الكمية الكافية بنحو 3.7 لترات يوميًا للرجال ونحو 2.7 لتر للنساء، من كل المصادر مجتمعة. أما الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية فتقدرها بنحو لترين ونصف للرجال ولترين للنساء، في ظروف الحرارة المعتدلة والنشاط البدني المتوسط. والفرق بين التقديرين يعكس اختلاف طريقة الحساب والبيانات المستخدمة، لا اختلافًا جوهريًا في الفكرة الأساسية.
والأهم في هذه التقديرات أنها متوسطات تناسب أغلب الأصحاء، وليست حدًا أدنى يجب على كل فرد بلوغه، فالاحتياج الفعلي يرتفع وينخفض من يوم لآخر. ويعتمد الجسم السليم في ضبط هذا الاحتياج على نظام دقيق، تتعاون فيه الكليتان مع مراكز العطش في الدماغ لإبقاء السوائل في حدودها الطبيعية. ولهذا تقول هذه الجهات إن معظم الأصحاء يلبون احتياجهم بالاستجابة للعطش وشرب السوائل مع الوجبات، دون حاجة إلى جدول صارم لعد الأكواب طوال اليوم.
الطعام والمشروبات الأخرى جزء من حصتك اليومية
يأتي نحو خمس الماء الذي يحصل عليه الإنسان في المتوسط من الطعام، وتزيد هذه النسبة كثيرًا لدى من يكثرون من الخضار والفاكهة والحساء. فالخيار والخس والطماطم والبطيخ والبرتقال يتكون معظم وزنها من الماء، وكذلك الأرز والمكرونة بعد الطهي، والزبادي والحليب والشوربة بأنواعها المختلفة. ويضاف إلى ذلك قدر صغير من الماء ينتجه الجسم نفسه أثناء حرق الطعام لإنتاج الطاقة، وهو قدر لا يكفي وحده لكنه جزء من المعادلة. ولهذا يحتاج من يأكل طعامًا جافًا في معظمه إلى شرب قدر أكبر ممن يكثر من الخضار والأطباق المطهوة.
أما المشروبات فكلها تقريبًا تسهم في الترطيب، سواء كانت ماء أو حليبًا أو عصيرًا أو شايًا أو قهوة، وإن اختلفت كثيرًا في فوائدها وأضرارها الأخرى. فالعصائر والمشروبات الغازية المحلاة ترطب الجسم، لكنها تحمل معها سكرًا قد يكون كثيرًا جدًا، ولذلك يبقى الماء الخيار الأنسب لمعظم الاحتياج اليومي. والخلاصة أن الأكواب الثمانية إن صح اعتبارها مرجعًا تقريبيًا، فهي تشمل كل ما يدخل الجسم من سوائل، لا الماء الخالص وحده كما يفهمها كثيرون.
هل الشاي والقهوة يسببان الجفاف كما يُشاع؟
الكافيين مدر خفيف للبول، ومن هنا جاء الاعتقاد بأن الشاي والقهوة يسحبان الماء من الجسم أكثر مما يعطيانه، فلا يصح احتسابهما ضمن السوائل اليومية. لكن الدراسات التي قاست توازن السوائل فعليًا وجدت أن الكميات المعتدلة من القهوة ترطب الجسم بدرجة قريبة من الماء لدى من اعتادوا عليها. والسبب أن كمية الماء في الكوب أكبر بكثير من الماء الإضافي الذي يخرجه الكافيين، كما أن الجسم يتكيف مع الاستهلاك المنتظم فيضعف هذا الأثر.
ويختلف الأمر مع الكميات الكبيرة من الكافيين، أو لدى من لم يعتادوا عليه، إذ قد يزداد إدرار البول بوضوح في الساعات التالية للشرب. كما أن مشروبات الطاقة تحمل كميات كبيرة من الكافيين والسكر معًا، ولا تصلح لتعويض السوائل بعد المجهود أو في الطقس الحار. وتبقى للشاي والقهوة حسابات أخرى لا تتعلق بالترطيب، كأثرهما في النوم إذا تأخر موعدهما، وأثر الشاي في امتصاص الحديد إذا شُرب مع الوجبة مباشرة. ولهذا يحسن الفصل بين الشاي والوجبات الغنية بالحديد بوقت كافٍ، خاصة لمن يعانون نقصه أصلًا.
العطش ولون البول بوصفهما مؤشرين عمليين للترطيب
العطش إشارة موثوقة لدى معظم البالغين الأصحاء، فهو يظهر حين يرتفع تركيز الدم قليلًا، أي قبل أن يصل الجسم إلى مرحلة الجفاف المؤثر بوقت كافٍ. ويشيع القول بأن الشعور بالعطش يعني أن الجفاف قد وقع بالفعل، وهو قول مبالغ فيه بالنسبة للأصحاء الذين يستجيبون لعطشهم في وقته. لكن هذه الإشارة تضعف مع التقدم في العمر، ولذلك يحتاج كبار السن إلى تذكير منتظم بالشرب حتى لو لم يشعروا بالعطش الذي يشعر به الأصغر سنًا.
أما لون البول فمؤشر عملي آخر يمكن ملاحظته يوميًا، فاللون الأصفر الفاتح يدل غالبًا على ترطيب جيد، واللون الداكن يدل على حاجة إلى مزيد من السوائل. ولا يعني البول الشفاف تمامًا طوال اليوم صحة أفضل، فقد يدل أحيانًا على شرب يتجاوز حاجة الجسم الفعلية دون فائدة إضافية تذكر. وينبغي الانتباه إلى أن بعض الفيتامينات والأطعمة والأدوية تغير لون البول، فتجعله أصفر زاهيًا أو برتقاليًا، دون أن يكون لذلك علاقة بكمية الماء المتناولة.
والطريقة العملية لمعظم الأصحاء أن يجمعوا بين المؤشرين، فيشربون عند العطش، ويراقبون لون البول مرة أو مرتين يوميًا، ويزيدون الشرب إذا مال إلى الدكنة. ويفيد أن يكون الماء في متناول اليد طوال اليوم، في زجاجة على المكتب أو في السيارة، لأن كثيرين يؤجلون الشرب لمجرد أن الماء بعيد عنهم. أما تطبيقات عد الأكواب فقد تفيد من ينسون الشرب فعلًا، بشرط أن تُضبط أهدافها بحسب الظروف لا بحسب رقم ثابت يطبق على الجميع.
متى يحتاج الجسم إلى كمية أكبر من المعتاد؟
يرتفع الاحتياج إلى الماء بوضوح في الطقس الحار، لأن الجسم يعتمد على العرق في تبريد نفسه، والعرق قد يستنزف كميات كبيرة في ساعات قليلة من النهار. ويحدث الأمر نفسه مع المجهود البدني، سواء كان رياضة أو عملًا يدويًا شاقًا، ويزداد الاحتياج كلما طالت المدة وارتفعت الحرارة والرطوبة المحيطة. وفي هذه الحالات يحسن الشرب على فترات منتظمة قبل الشعور بالعطش الشديد، مع الانتباه إلى تعويض الأملاح إذا كان التعرق غزيرًا ومستمرًا ساعات طويلة.
ويزداد الاحتياج كذلك مع الحمى والقيء والإسهال، لأن الجسم يفقد في هذه الحالات ماء وأملاحًا معًا، وقد يحدث الجفاف بسرعة خاصة لدى الأطفال وكبار السن. وفي هذه الحالات قد تكون محاليل الإرواء الفموي المتوفرة في الصيدليات أنسب من الماء وحده، لأنها تعوض الأملاح المفقودة بنسب محسوبة. كما تحتاج الحامل والمرضع إلى سوائل أكثر من غيرهما، وتقدر الجهات العلمية لهما كمية إضافية فوق الاحتياج المعتاد للنساء. ومن الأفضل أن تناقش الحامل احتياجها مع طبيبها، خاصة إذا كانت تعاني قيئًا متكررًا في الأشهر الأولى.
ويستحق الصيام في الأيام الحارة انتباهًا خاصًا، إذ يحتاج الصائم إلى توزيع شربه على الساعات بين الإفطار والسحور بدل شرب كمية كبيرة دفعة واحدة قبل الفجر. فالكمية الكبيرة في وقت قصير يخرج جزء منها سريعًا عن طريق الكليتين، بينما يحتفظ الجسم غالبًا بالكميات المتوسطة الموزعة على فترات بصورة أفضل وأطول. ويساعد كذلك الإكثار من الخضار والفاكهة الغنية بالماء في وجبة السحور، والتقليل من الأطعمة شديدة الملوحة التي تزيد الإحساس بالعطش خلال ساعات النهار الطويلة.
علامات نقص الماء من الخفيفة إلى الخطرة
تبدأ علامات نقص الماء عادة بالعطش وجفاف الفم وقلة التبول، مع بول داكن اللون، ثم قد يظهر الصداع والإرهاق وضعف التركيز في المراحل التالية. وهذه المرحلة الخفيفة شائعة في أيام الحر والعمل الطويل، وتتحسن في الغالب بشرب السوائل والراحة في مكان بارد خلال وقت قصير. ولدى الرضع والأطفال الصغار قد تظهر علامات مختلفة، كقلة البلل في الحفاضات، والبكاء دون دموع، وانخفاض اليافوخ في رأس الرضيع. وهذه العلامات تستدعي مراجعة الطبيب سريعًا، لأن الأطفال يفقدون السوائل أسرع بكثير من البالغين عند المرض.
أما العلامات التي تستدعي طلب المساعدة الطبية العاجلة فتشمل الدوار الشديد الذي يمنع الوقوف أو المشي، والتشوش أو الارتباك، وتسارع ضربات القلب والتنفس. ومنها كذلك انقطاع التبول لساعات طويلة، والقيء أو الإسهال الذي يمنع الاحتفاظ بأي سوائل، والخمول الشديد أو صعوبة الإيقاظ لدى الأطفال والرضع. وفي الطقس الحار قد يتداخل الجفاف مع ضربة الشمس، وهي حالة طارئة تتميز بارتفاع شديد في حرارة الجسم مع تغير في الوعي، وتحتاج إلى إسعاف فوري.
هل يمكن أن يكون الإفراط في شرب الماء ضارًا؟
نعم، وإن كان ذلك نادرًا لدى الأصحاء في الظروف العادية، فالكليتان تستطيعان التخلص من كميات كبيرة، لكن لقدرتهما حدًا أقصى في الساعة الواحدة. وحين يشرب الإنسان كمية تتجاوز هذا الحد في وقت قصير، ينخفض تركيز الصوديوم في الدم انخفاضًا قد يسبب الغثيان والصداع والتشوش، وقد يصل إلى حالات خطرة. ويسمى هذا الانخفاض نقص صوديوم الدم، وقد سُجلت حالات منه لدى عدائي المسافات الطويلة، وفي مسابقات لشرب الماء انتهت بعواقب مأساوية.
والعداؤون المعرضون لهذه الحالة هم غالبًا من يشربون بكثرة على طول السباق خوفًا من الجفاف، دون أن يفقدوا بالعرق ما يعادل ما يشربونه من سوائل. ولذلك تنصح الجهات الرياضية اليوم بالشرب حسب العطش في الأنشطة الطويلة، بدل الشرب بكميات ثابتة كبيرة في كل محطة من محطات السباق. أما في الحياة اليومية فالخطر الأوضح هو إجبار النفس على كميات كبيرة جدًا لتحقيق رقم في تطبيق، دون عطش ودون مجهود أو حرارة تبرر ذلك.
فئات تحتاج إلى استشارة الطبيب قبل تحديد الكمية
بعض المرضى يحتاجون إلى تقييد السوائل لا زيادتها، ومنهم مرضى قصور القلب وبعض مرضى الكلى المتقدمة، لأن أجسامهم لا تتخلص من الماء الزائد بالكفاءة المطلوبة. وقد يؤدي اتباعهم لنصيحة الإكثار من الماء إلى تجمع السوائل في الساقين أو الرئتين، وهي مضاعفات قد تستدعي دخول المستشفى في بعض الحالات. ولذلك يحدد الطبيب لهؤلاء المرضى كمية يومية مناسبة لحالتهم، ويجب الالتزام بها حتى لو خالفت النصائح العامة المنتشرة على الإنترنت. كما يحتاج من يعانون أمراض الكبد المتقدمة أحيانًا إلى تعليمات مماثلة يحددها الطبيب المعالج بحسب الحالة.
ويحتاج إلى استشارة الطبيب كذلك من يتناولون أدوية تؤثر في توازن السوائل والأملاح، كمدرات البول وبعض أدوية ضغط الدم والاكتئاب والصرع وغيرها. وأيضًا من لديهم تاريخ مع حصى الكلى، إذ قد ينصحهم الطبيب بكمية أكبر من المعتاد، ومرضى السكري غير المنضبط الذين قد يدل العطش الشديد لديهم على ارتفاع السكر في الدم. وهذا المقال للتثقيف العام ولا يغني عن التوجيه الطبي، فالاحتياج الفعلي من الماء قرار فردي يختلف باختلاف الحالة الصحية والعمر والظروف المحيطة.
0 تعليقات