تنام ثماني ساعات ولا تزال متعبًا؟ المشكلة في جودة النوم لا مدته

 



يستيقظ كثير من الناس بعد ليلة كاملة في السرير وهم يشعرون بأنهم لم يناموا أصلًا، فيبحثون عن الحل في إضافة ساعة أو ساعتين إلى نومهم. ثم يكتشفون بعد أسابيع من المحاولة أن الإرهاق باقٍ كما هو، رغم أنهم صاروا يقضون في الفراش تسع ساعات أو عشرًا. والسبب أن الجسم لا يقيس الراحة بعدد الساعات، وإنما بعدد الدورات الكاملة التي أتمها الدماغ دون انقطاع خلال تلك الساعات. وهذه الدورات قد تنقطع عشرات المرات في الليلة الواحدة دون أن يتذكر النائم شيئًا من ذلك عند استيقاظه.

يشرح هذا المقال الفرق بين مدة النوم وجودته، وما الذي يحدث داخل الدورة الواحدة، ولماذا لا يعوّض النوم المتأخر ما فات من أول الليل. ثم يستعرض أبرز العوامل التي تقطع الدورات دون أن ينتبه إليها النائم، ومنها المنبهات والضوء والشخير وتغيير المواعيد في أيام العطلة. ويختم بطريقة عملية تستطيع بها تقييم جودة نومك في البيت خلال أسبوعين، وبالعلامات التي تعني أن الأمر يحتاج إلى طبيب مختص لا إلى نصيحة عامة.

دورة النوم الواحدة ومراحلها الأربع

تمر الليلة الواحدة في العادة بأربع إلى ست دورات نوم متتابعة، وتستغرق كل دورة نحو تسعين دقيقة، وإن كانت المدة تختلف قليلًا من شخص لآخر. وتبدأ الدورة بنوم خفيف، ثم نوم أعمق، ثم النوم العميق الذي يحدث فيه معظم الإصلاح الجسدي وإفراز هرمون النمو. وتنتهي بمرحلة حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي ترتبط بالأحلام وبتثبيت ما تعلمه الإنسان خلال يومه في الذاكرة. ثم تبدأ دورة جديدة من أولها، وقد يستيقظ النائم لحظات قصيرة بين دورتين دون أن يدرك ذلك.

والمهم في هذا الترتيب أن المراحل لا تتوزع بالتساوي على الليل، فالنوم العميق يتركز في الدورات الأولى، بينما تطول مرحلة حركة العين السريعة في الدورات الأخيرة. ويترتب على ذلك أن تأخير النوم ساعتين ثم تعويضهما صباحًا لا يعادل النوم في الموعد المعتاد، لأن الساعات المقتطعة من أول الليل تحمل معظم النوم العميق. ولهذا يستيقظ من ينام متأخرًا ويصحو متأخرًا وهو أقل راحة ممن نام المدة نفسها في وقت أبكر، حتى لو تساوت الساعات على الورق.

ما الفرق بين مدة النوم وجودته؟

مدة النوم هي الوقت الذي تقضيه نائمًا، أما جودته فتعني أن تغفو خلال وقت معقول بعد دخول السرير، وأن تبقى نائمًا دون انقطاعات كثيرة، وأن تمر بالمراحل كلها بنسبها الطبيعية. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم البالغين بسبع ساعات أو أكثر في الليلة، لكن هذا الرقم يفترض أن تكون تلك الساعات متصلة وعميقة بالقدر الكافي. فسبع ساعات متقطعة كثيرًا قد تترك صاحبها أكثر إرهاقًا في الصباح من ست ساعات متصلة لم يقطعها شيء.

ويستخدم المختصون مقياسًا يسمى كفاءة النوم، وهو نسبة الوقت الذي قضيته نائمًا فعلًا إلى الوقت الذي قضيته في السرير كله منذ أن أطفأت الضوء. فمن يبقى في الفراش تسع ساعات كل ليلة وينام منها ستًا فقط كفاءة نومه منخفضة، ولن تحل زيادة الساعات مشكلته بل قد تزيدها سوءًا. ولهذا تبدأ برامج علاج الأرق السلوكية أحيانًا بتقليل الوقت في السرير تحت إشراف مختص، حتى يصبح النوم أكثر تماسكًا ثم تُمد مدته تدريجيًا.

الاستيقاظات القصيرة التي لا يتذكرها النائم صباحًا

يستيقظ الدماغ خلال الليل مرات كثيرة لثوانٍ معدودة، ويسمي المختصون هذه اللحظات استثارات دقيقة، وهي لا تُتذكر في الصباح لأنها أقصر من أن تُسجَّل في الذاكرة. وعدد قليل منها أمر طبيعي عند الجميع، لكن تكرارها الكبير يقطع الدورة قبل أن تصل إلى مراحلها العميقة، فيعود النائم إلى نوم خفيف من جديد. والنتيجة ليلة تبدو كاملة في حساب الساعات وفي ذاكرة صاحبها، لكنها في حقيقتها مجموعة من الأجزاء القصيرة المتقطعة التي لا تكفي للراحة.

وتنتج هذه الاستثارات عن أسباب متنوعة، منها الضوضاء المتقطعة كصوت الشارع أو إشعارات الهاتف، وارتفاع حرارة الغرفة، وحركة شريك الفراش، والحاجة إلى دخول الحمام ليلًا. ومنها أسباب داخلية كالشخير وانقطاع النفس والحموضة وآلام المفاصل، وهي أسباب قد لا يعرف بها النائم إلا من شخص يشاركه الغرفة. ولذلك فإن الخطوة الأولى في تحسين الجودة هي البحث عن مصادر الانقطاع هذه واحدًا بعد الآخر، قبل التفكير في أي تغيير لعدد الساعات أو موعد النوم.

ويمكن تقليل كثير من هذه الأسباب بتعديلات بسيطة في غرفة النوم، كأن تكون مظلمة وهادئة ومعتدلة الحرارة تميل إلى البرودة، مع فراش مريح لا يسبب ألمًا. ويساعد تقليل السوائل في الساعتين الأخيرتين قبل النوم من يستيقظون مرارًا لدخول الحمام، ما لم يكن ذلك مخالفًا لتعليمات طبية خاصة بهم. أما من يوقظه شريك الفراش بحركته أو شخيره فقد يفيده غطاء منفصل أو سدادات أذن، إلى أن يُعرف سبب الشخير ويعالج إن احتاج إلى علاج.

كيف يؤثر الكافيين والنيكوتين في عمق النوم؟

يعمل الكافيين على حجب مادة في الدماغ تسمى الأدينوزين، وهي المادة التي تتراكم خلال ساعات اليقظة وتولد الإحساس المتزايد بالنعاس كلما تقدم اليوم. ويبقى جزء كبير من الكافيين في الدم ساعات طويلة بعد تناوله، ولذلك قد يغفو شارب القهوة المسائية بسهولة ظاهرية، لكن نومه العميق يكون أقل مما ينبغي. وقد وجدت دراسات أن كمية كبيرة من الكافيين قبل النوم بست ساعات يمكن أن تقلل مدة النوم الفعلية، حتى لو لم يشعر صاحبها بأي تأثير.

ولا يقتصر الكافيين على القهوة، فهو موجود في الشاي والمشروبات الغازية الداكنة ومشروبات الطاقة والشوكولاتة الداكنة وبعض أدوية الصداع ونزلات البرد. أما النيكوتين فهو منبه أيضًا، ويجعل النوم أخف وأكثر تقطعًا، كما أن المدخن قد يستيقظ في الساعات الأخيرة من الليل بسبب انخفاض مستواه في الدم. ويفيد كثيرين أن يحددوا موعدًا ثابتًا لآخر مشروب منبه في يومهم، وأن يجعلوه في وقت مبكر من بعد الظهر، ثم يراقبوا الفرق على مدى أسبوعين.

الضوء والشاشات وتأثيرهما في ساعة الجسم الداخلية

يعتمد الجسم على الضوء في ضبط ساعته الداخلية، فالظلام يدفع الدماغ إلى إفراز الميلاتونين الذي يمهد للنوم، بينما يؤخر الضوء القوي إفرازه ويبقي الدماغ في حالة يقظة. ولا يقتصر الأمر على ضوء الشاشات كما يشيع، فإضاءة الغرفة القوية في آخر الليل تؤدي الأثر نفسه وإن كانت أقل حضورًا في النقاش. أما الشاشات فيضاف إلى ضوئها أنها تشغل الذهن بمحتوى متجدد يصعب التوقف عنه، فيتأخر موعد النوم دون أن يلاحظ صاحبها مرور الوقت.

وفي الجهة المقابلة، فإن التعرض لضوء النهار في الصباح يضبط الساعة الداخلية بفاعلية كبيرة، لأنه يرسل إلى الدماغ إشارة واضحة ببداية اليوم. ومن يقضي صباحه في مكان مغلق قليل الإضاءة ثم يسهر أمام شاشة ساطعة يرسل إلى جسمه إشارتين متعارضتين، فتضطرب مواعيد النعاس لديه. ويكفي في الغالب أن تخفف الإضاءة في الساعة الأخيرة قبل النوم، وأن تخرج إلى ضوء النهار دقائق بعد الاستيقاظ، وأن تبعد الهاتف عن متناول يدك في السرير.

الشخير وانقطاع النفس أثناء النوم وعلاقتهما بالإرهاق

إذا كان التعب الصباحي مصحوبًا بشخير مرتفع ومتقطع، فقد يكون السبب انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وهو اضطراب شائع لا يعرف كثير من المصابين به أنهم مصابون. ويحدث حين يرتخي مجرى الهواء في الحلق فينسد جزئيًا أو كليًا لثوانٍ، فينخفض الأكسجين وينتبه الدماغ لحظة ليعيد التنفس ثم يعود إلى النوم. وقد يتكرر ذلك عشرات المرات في الساعة الواحدة لدى الحالات الشديدة، دون أن يستيقظ المصاب استيقاظًا كاملًا يتذكره في الصباح.

ومن العلامات التي تستدعي الانتباه أن يلاحظ شريك الفراش توقفًا في التنفس يعقبه شهيق مفاجئ، أو أن يستيقظ الشخص بصداع وجفاف شديد في الفم. ومنها أيضًا النعاس الشديد خلال النهار، كأن يغفو الشخص وهو جالس في اجتماع أو أثناء القيادة، وارتفاع ضغط الدم الذي يصعب ضبطه لدى بعض المرضى. ولا تعالج نصائح النوم العامة هذه المشكلة، لأنها مشكلة في مجرى التنفس نفسه، ويشخصها الطبيب عادة بدراسة نوم في المختبر أو في المنزل.

ويزداد احتمال الإصابة مع زيادة الوزن ومحيط الرقبة، ومع التقدم في العمر، وعند الرجال أكثر من النساء قبل سن انقطاع الطمث، وإن كان يصيب النحفاء والشباب أيضًا. ويرتبط انقطاع النفس غير المعالج بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب واضطراب السكر، إضافة إلى زيادة خطر حوادث الطرق بسبب النعاس أثناء القيادة. ولهذا فإن الشخير المصحوب بإرهاق نهاري عرض يستحق الفحص الطبي، ومن الخطأ اعتباره مجرد إزعاج لمن يشاركك الغرفة كما يفعل كثيرون.

لماذا يفسد تغيير المواعيد في العطلة أسبوعك؟

يسهر كثيرون في ليلتي العطلة ثم يستيقظون متأخرين، فتتحرك ساعتهم الداخلية ساعتين أو ثلاثًا، وكأنهم سافروا إلى بلد يختلف توقيته عن توقيت بلدهم. ويسمي الباحثون هذه الظاهرة إرهاق السفر الاجتماعي، لأن آثارها تشبه إلى حد كبير آثار السفر بين المناطق الزمنية دون أن يغادر صاحبها بيته فعليًا. ثم يأتي صباح أول يوم عمل فيطالب الجسم بالاستيقاظ في موعد يعده هو منتصف الليل، فيبدأ الأسبوع بإرهاق لا علاقة له بعدد الساعات.

والحل الأكثر فاعلية هو تثبيت موعد الاستيقاظ طوال الأسبوع بفارق لا يتجاوز ساعة تقريبًا، حتى في أيام العطلة التي يغري فيها الفراش بالبقاء. فموعد الاستيقاظ الثابت هو الذي يضبط الساعة الداخلية كل يوم، ثم يتبعه موعد النعاس تلقائيًا بعد أيام قليلة من الالتزام دون مجهود كبير. ومن احتاج إلى تعويض بعد ليلة قصيرة فالأفضل له قيلولة لا تتجاوز نصف ساعة في أول بعد الظهر، بدلًا من البقاء في السرير حتى الظهيرة كما يفعل كثيرون.

كيف تقيس جودة نومك بطريقة عملية؟

أبسط أداة لقياس جودة النوم هي مذكرة نوم بسيطة تكتب فيها كل صباح لمدة أسبوعين موعد دخولك السرير، والوقت التقريبي الذي احتجته لتغفو، وموعد استيقاظك. وتضيف إليها عدد مرات الاستيقاظ التي تتذكرها، وما تناولته من منبهات ومتى، ودرجة شعورك بالنشاط على مقياس بسيط من واحد إلى عشرة. وبعد أسبوعين تظهر في الغالب أنماط لم تكن واضحة من قبل، كارتباط الإرهاق بأيام معينة أو بمشروب معين أو بسهر في الليلة السابقة.

وهناك مؤشرات تستحق الانتباه في هذه المذكرة، منها أن تحتاج عادة أكثر من نصف ساعة لتغفو، أو أن تستيقظ ليلًا وتبقى مستيقظًا مدة طويلة. ومنها أن تحتاج إلى المنبه كل يوم بلا استثناء، أو أن تنام ساعات أطول بكثير في العطلة، فهذا في الغالب علامة على دين نوم متراكم. أما الساعات الذكية فتعطي تقديرًا تقريبيًا مفيدًا لمتابعة الاتجاه العام، لكن دقتها في تحديد مراحل النوم محدودة مقارنة بدراسة النوم الطبية.

ولا ينبغي أن تتحول المتابعة نفسها إلى مصدر قلق، فبعض الناس يتوترون من أرقام الساعة الذكية حتى يصبح هذا التوتر سببًا إضافيًا في سوء نومهم. والغرض من المذكرة هو التقاط الأنماط الواضحة لا مطاردة الكمال، ولذلك يكفي تسجيل تقريبي كل صباح دون النظر إلى الساعة أثناء الليل. فإذا أظهرت الأسابيع الأولى نمطًا واضحًا، كان من الأسهل تعديل عامل واحد في كل مرة، ثم مراقبة أثره قبل الانتقال إلى العامل الذي يليه.

متى تستدعي مشكلة النوم مراجعة الطبيب؟

تحتاج مشكلة النوم إلى طبيب حين يستمر الأرق ثلاث ليالٍ أو أكثر في الأسبوع لمدة ثلاثة أشهر، أو حين يؤثر النعاس في العمل أو القيادة أو العلاقات. وكذلك حين يلاحظ شريك الفراش توقفًا في التنفس أو شخيرًا متقطعًا، أو حين تظهر حركات غير طبيعية أثناء النوم كركل الساقين أو التحدث بعنف. ويستحق الأمر مراجعة سريعة أيضًا إذا صاحب اضطراب النوم حزن مستمر أو فقدان للاهتمام، لأن النوم والمزاج يؤثر كل منهما في الآخر.

وقد يبدأ الطبيب بالبحث عن أسباب عضوية كاضطراب الغدة الدرقية أو نقص الحديد، إذ يرتبط الأخير بمتلازمة تململ الساقين التي تقطع النوم عند بعض المرضى. وقد يراجع كذلك الأدوية التي يتناولها المريض، لأن بعضها يؤثر في النوم، ثم يحيله عند الحاجة إلى مختص في طب النوم أو إلى دراسة نوم. وهذا المقال للتثقيف العام ولا يغني عن التقييم الطبي، خاصة لمن يعاني أمراضًا مزمنة أو يتناول أدوية بانتظام أو تستمر أعراضه أسابيع.

مصادر للاستزادة: الأكاديمية الأمريكية لطب النوم (AASM)، المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS).


إرسال تعليق

0 تعليقات